فأنساها إِذَا نحن التقينا ... فأنطق حِينَ أنطق بالمحال
وأنشدوا:
فيا ليل كم من حاجة لي مهمة ... جئتكم لَمْ أدر يا ليل مَا هيا
وأنشدوا:
وكم حَدِيث لَك حَتَّى إِذَا ... مكنت من القيام أنسيته
وأنشدوا:
رأيت الْكَلام يزين الفتى ... والصمت خير لمن قَدْ صمت
فكم من حروف تجر الحتوف ... ومن ناطق ود أَن لو سكت
والسكوت عَلَى قسمين: سكون بالظاهر وسكوت بالقلب والضمائر فالمتوكل يسكت قلبه عَن تقاضي الأزراق والعارف يسكت قلبه مقابلة للحكم بنعت الوفاق فهذا بجميل صنعه واثق وَهَذَا بجميع حكمه قانع وَفِي معناه قَالُوا: تجرى عليك صروفه وهموم سرك مطرقه وربما يَكُون سبب السكوت حيرة البديهة فَإِنَّهُ إِذَا ورد كشف عَن وصف البغتة خرست العبارات عِنْدَ ذَلِكَ فلا بيان ولا نطق وطمست الشواهد هناك فلا علم ولا حس قَالَ اللَّه تَعَالَى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا} [المائدة: 109]
فأما إيثار أرباب المجاهدة السكوت فلما علموا فِي الْكَلام من الآفات , ثُمَّ مَا فِيهِ من حفظ النفس وإظهار صفات المدح والميل عَلَى أَن يتميز بَيْنَ أشكاله بحسن النطق وغير هَذَا من آفات الخلق وَذَلِكَ نعت أرباب الرياضات وَهُوَ أحد أركانهم فِي حكم المنازلة وتهذيب الخلق وقيل: إِن دَاوُد الطائي لما أراد أَن يقعد فِي بيته اعتقد أَن يحضر مجالس أَبِي حَنِيفَة إذ كَانَ تلميذا لَهُ ويقعد بَيْنَ أضرابه من الْعُلَمَاء ولا يتكلم فِي مسألة فلما قوى نَفْسه عَلَى ممارسة هذه الخصلة سنة كاملة قعد فِي بيته عِنْدَ ذَلِكَ وآثر العزلة وَكَانَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز إِذَا كتب كتابا فاستحسن لفظه مزق الكتاب وغيره.