وَلَعَلَّ ذَلِكَ الْعَالِمَ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْبَاشَا لَمْ يَسْأَلْ هَذَا السُّؤَالَ إِلَّا وَهُوَ مُنْكِرٌ لِوُرُودِ الْقَسَمِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامٍ لَهُ كَثُرَ نَقْلُهُ عَنْهُ ، وَهُوَ احْتِقَارُ التَّعَالِيمِ وَالنَّظْمِ الَّتِي وُضِعَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ، وَزَعْمُهُ أَنَّهَا وُضِعَتْ لِقَوْمٍ مُنْحَطِّينَ فِي الْحَضَارَةِ وَالْفُنُونِ ، فَلَا يَلِيقُ اتِّبَاعُهَا فِي هَذَا الْعَصْرِ الَّذِي ارْتَقَتْ فِيهِ الصِّنَاعَاتُ وَالْفُنُونُ وَالْمَعَارِفُ الْمَادِّيَّةُ ، وَاسْتَبَاحَ الْمُتْرَفُونَ فِيهِ الرَّذَائِلَ بِاسْمِ الْمَدَنِيَّةِ ، فَأَرَادَ أَنْ يُزِيلَ مِنْ فِكْرِهِ هَذِهِ الشُّبَهَاتِ الْجَهْلِيَّةِ ، وَيُبَيِّنَ لَهُ مَعْنَى صِيغَةِ الْقَسَمِ عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَهُوَ تَأْكِيدُ الْكَلَامِ وَحِكْمَةُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْإِقْسَامِ بِالْمَخْلُوقَاتِ كَالتَّذْكِيرِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ ، وَمُنَاسِبَةِ
كُلِّ قَسَمٍ مِنْهُ أَقْسَمَ بِهِ عَلَيْهِ لِتَوْكِيدِهِ ، كَالْإِقْسَامِ بِالنَّجْمِ عَلَى هِدَايَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَشَادِهِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُهْتَدَى بِهِ ، ثُمَّ الِانْتِقَالُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ مُنَاسِبًا لِذَلِكَ ، وَلَا بَأْسَ بِبَيَانِ ذَلِكَ وَإِنْ طَالَ الِاسْتِطْرَادُ ; إِزَالَةً لِشُبْهَةِ مُصْطَفَى كَمَال بَاشَا وَأَمْثَالِهِ لِئَلَّا يَكُونَ تَأْخِيرًا لِلْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ فَنَقُولُ: .