وعلى هذا، فالمعنى: لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا. فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك، ولا يتهمونني.
وقال الزجاج: المعنى: لو شئت أهلكتهم من قبل أن تبتليهم بما أوجب عليهم الرجفة.
قلت: وهؤلاء كلهم حاموا حول المقصود.
والذي يظهر - والله أعلم بمراده ومراد نبيه: أن هذا استعطاف من موسى عليه السلام لربه، وتوسل إليه بعفوه عنهم من قبل، حين عبد قومهم العجل، ولم ينكروا عليهم.
يقول موسى: إنهم قد تقدم منهم ما يقتضي هلاكهم. ومع هذا فوسعهم عفوك ومغفرتك، ولم تهلكهم، فليسعهم اليوم ما وسعهم من قبل.
وهذا كما يقول من وأخذه سيده بجرم: لو شئت وأخذتني من قبل هذا بما هو أعظم من هذا الجرم، ولكن وسعني عفوك أولا، فليسعني اليوم.
ثم قال نبي الله {أَتهْلِكُنَا بمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا}
فقال ابن الأنباري وغيره: هذا استفهام على معنى الجحد، أي لست تفعل ذلك.
والسفهاء هنا: عبدة العجل.
قال الفراء: ظن موسى أنهم أهلكوا باتخاذ قومهم العجل، فقال: {أَتُهْلِكُنَا بمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا} [الأعراف: 155] .
وإنما كان إهلاكهم بقولهم: {أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55]
ثم قال {إِنّ هِى إِلا فِتْنَتُكَ} .
وهذا من تمام الاستعطاف، أي ما هي إلا ابتلاؤك واختبارك لعبادك. فأنت ابتليتهم وامتحنتهم، فالأمر كله لك وبيدك، لا يكشفه إلا أنت، كما لم يمتحن به ويختبر به إلا أنت. فنحن عائذون بك منك. ولاجئون منك إليك. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...