إذن {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} كأنّه كان عنده تهيؤ للسجود ، فجاءت قوة أقوى منه ومنعته وحجزته وحالت بينه وبين أن يسجد . لكن ذلك لم يحدث . وتأتي"منع"للامتناع بأن يمتنع هو عن الفعل وذلك بأن يقنعه غيره بترك السجود فيقتنع ويمتنع ، وهناك فرق بين ممنوع ، وممتنع ؛ فممنوع هي في {مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} ، وممتنع تعني أنه امْتنع من نفسه ولم يمنعه أحد ولكنّه أقنعه . وإن كان المنع من الامتناع فالأسلوب قد جاء ليؤكد المعنى الفعلي وهو المنع عن السجود . وهذا هو السبب في وجود التكرار في القرآن . ولذلك قال الحق سبحانه: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12]
وسبحانه قد أمر الملائكة وكان موجوداً معهم إما بطريق العلو ، لأنه فاق الملائكة وأطاع الله وهو مختار فكانت منزلته عالية ، وإما بطريق الدنو ؛ لأن الملائكة أرفع من إبليس بأصل الخلقة والجبلة ، وعلى أي وضع من العلو والدنو كان على إبليس أن يسجد ، ولكنه قال في الرد على ربّه: {... أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12]
وسبحانه لم يسأل إبليس عن المقارنة بينه وبين آدم ، ولكن سأله وهو يعلم أزلاً أنّ إبليس قد امتنع باقتناع لا بقهر ، ولذلك قال إبليس: أنا خير منه ، فكأن المسألة دارت في ذهنه ليوجد حيثية لعدم السجود . ولا يصح في عرفه الإبليسي أن يسجد الأعلى للأدنى ، فما دام إبليس يعتقد أنه خير من آدم ويظن أنه أعلى منه ، فلا يصح أن يسجد له . وأعلى منه لماذا؟ لأنه قال: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} فكأن النار لها علو ، وهو في ذلك مخطئ تماماً لأن الأجناس حين تختلف ؛ فذلك لأن لكل جنس دوره ، ولا يوجد جنس أفضل من جنس ، النار لها مهمة ، والطين له مهمة ، والنار لا تقدر أن تؤدي مهمة الطين ، قلا يمكن أن نزرع في النار .