وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لهم: اسألوا عني إن كنت أجرّمت ؛ ولم يقل لهم وصفا لأعمالهم:"ولا نسأل عما تجرمون"بل قال" {وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} . فلم يأت بمسألة الإجرام بالنسبة لهم ؛ وجاء بها بالنسبة له ، لأنه واثق أنهم إن أعادوا دراسة القضية فكرياً وعقدياً وعاطفياً فسينتهون إلى الإيمان بمنهجه . وهذامنتهى اللطف في الجدل ."
ويتجلى اللطف في الجدل في قوله الحق: {فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 81] .
والعِلْمُ هو أن تأخذ قضية تعتقدها ولها واقع وتستطيع أن تدلل عليها ، وإن اختل شرط فيها فهذا خروج عن العلم ، ومثال ذلك ألفاظ اللغة ؛ كل لفظ وضع لمعنى ، وساعة تسمع اللفظ وأنت تعرف اللغة تفهم المعنى ؛ فحين أقول: الشمس . تتصور أنت الشمس في ذهنك ، وكذلك الأرض والماء والجبل . فأنت عرفت مدلول هذه الألفاظ بدون أن تكون هناك نسبة . ونعلم أن هناك فرقاً بين معنى اللفظ مفرداً ، وما يعطيه ويفيده اللفظ إذا جاء في نسبة .
فإذا جاء اللفظ في نسبة فلا بد أن توجد قضية ، فإذا قلنا الشمس محجوبة بالغيم فهذه قضية ، أو قلنا: الشمس تغيب فهذه قضية أخرى وهنا نسبنا شيئاً لشيء ، ولكننا قبل أن نأتي بالقضايا النسبية لا بد أن يكون للفظ معنى في ذاته ، وهذه اسمها معاني اللغة ، وتضم من خلالها لفظا إلى لفظ فتنشأ نسبة أو قضية شريطة أن نعرف معنى مفرداتها ، وبعد ذلك نعرف النسب ، وهي ما نقول عنه: مبتدأ وخبر ، موضوع ومحمول ، مسند ومسند إليه ، فعل وفاعل أي أمر منسوب إلى أمر .