وأصل الإبسال: هو الإسلام، وتفسيره ما ذكر على أثره، وهو قوله: (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ) ؛ كما يكون بعضهم شفيعًا لبعض في الدنيا، وأعوانًا لهم وأنصارًا في دفع المضار والمظالم عنهم وجر المنافع إليهم، وأما في الآخرة: فإن كل نفس تسلم بما كسبت، لا شفيع لها ولا ولي؛ كقوله: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) .
وكقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً) ، وغير ذلك من الآيات تسلم كل نفس إلى كسبها لا شفيع لها ولا ولي.
وقوله: (وَذَكِّرْ بِهِ) ، يحتمل بالقرآن والآيات ويحتمل (بِهِ) ، أي: باللَّه، أي: عظ به أن تهلك نفس بما كسبت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا) .
اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: العدل: الفداء؛ يقول: وإن فدت نفس كل الفداء لتتخلص مما حل بها، لم يؤخذ منها ولم يقبل منها ذلك.
وقال الحسن: العدل: كل عمل البر والخير، أي: وإن عملت كل عمل البر والخير من الفداء والتوبة، لم يقبل منها ذلك؛ يخبر أن الدار الآخرة ليست بدار العمل، ولا يقبل فيها الرشا كما تقبل في الدنيا، وأخبر ألا يكون شفعاء يشفعون لهم، ولا أولياء ينصرونهم، ليس كالدنيا؛ لأن من أصابه في هذه الدنيا شيء ، أو حل به عذاب أو غرامة - فإنما يدفع بإحدى هذه الخلال الثلاثة، إما بشفعاء يشفعونه، أو بأولياء ينصرونه، أو بالرشا، فأخبر أن الآخرة ليست بدار تقبل فيها الرشا، فتدفع ما حل بهم، أو أولياء ينصرونهم في دفع ذلك عنهم، أو شفعاء يشفعونهم.
فَإِنْ قِيلَ: ما معنى ذكر العدل والفداء، وليس عنده ما يفدي ولا يبذل وما يمكَّن من العمل؟
قيل: معناه - واللَّه أعلم - أي: لو مكن لهم من الفداء ما يفدون في دفع ذلك عن أنفسهم، ومكن لهم من العمل ما لو عملوا، لم يقبل ذلك منهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا) .