وهنا كان البناء للمجهول لأن الآمر معلوم، وهو في صدورنا وأطواء نفوسنا، ولم تذكر المأمورات، ولكن ذكرت نهايتها وغايتها، وهو أن نسلم لرب العالمين الذي خلقنا وربانا، ويقوم على عامة أمورنا وخاصتها، وهو الحي القيوم.
ويلاحظ أن الله تعالى أمر نبيه أن يقول أندعو ما لَا ينفعنا ولا يضرنا، وكل ما كان من بعده بصيغة المتكلم ومعه غيره، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أمره ربه، كان يتكلم ومعه المؤمنون المخلصون الذين لاقوا الشدائد في مكة حتى هاجر منهم إلى الحبشة من هاجر، وقد آذاهم المشركون يريدون ردهم على أعقابهم بعد إذ هداهم الله.
فالله تعالى أمر نبيه بأن يقول هذا القول عنه وعنهم، ليلقي اليأس في قلوب المشركين من أن يعود أحد إلى الشرك بعد الوحدانية، وإلى الكفر بعد أن ذاقوا حلاوة الإيمان.
وقد قال من بعد أن ذكرنا ما قرره النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المؤمنين:
(وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(72)
حكى النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الله تعالى بالصيغة التي أمره الله تعالى بها، فقال: (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ) وهذا عطف على معنى (لنسلم) ، أي أمرنا سبحانه بأن نسلم لله رب العالمين، وأمرنا أن نقيم الصلاة، وكان الأمر بإقامة الصلاة بصيغة قول الله تعالى، لَا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمكانة الصلاة في الدين، فإنه لَا دين من غير صلاة، فهي عموده، وهي لُبه، وهي مظهره ودلالته، والوحدانية أظهر ما تكون في الصلاة فهي عبادة الله وحده لَا يشرك به شيئا فيها، إلا أن يرائي، فهذه ليست صلاة.
وطلب الله تعالى من المؤمن إقامة الصلاة بأن يأتي بها مقومة كاملة في أركانها الظاهرة، ومعانيها من خشوع وخضوع، يتحقق فيها قوله تعالى: (. . . إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكبَرُ. . .) .