وقد صور الله تعالى حالهم في دعوتهم إلى الباطل من اهتدى، ومن تنزل عليه أسباب الهداية كحال الشياطين التي تستهوي الضال بدعوتهم إلى ما لَا هداية فيه؛ بجوار أن له أصحابا يدعونه إلى الطريق اللاحب، والسير فيما فيه النجاة فقال تعالى: (كَالَّذِى اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطينُ فِى الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا) .
استهواه أي طلب هواه واستولى عليه يوجهه كيف شاء، كالذين يصنعون ذلك بالنوم، والاستيلاء على الحس، والشياطين هم الذين يضلون، ومن ذلك الأوهام التي تعتري من يسير في صحراء قفراء يتلمس المرشد في مهامه الأرض، فيسمعه الوهم نداء يسير به في طريق الضلال، وسماهم الله تعالى شياطين تستهوي الأنفس، فيسيرون وراء هذه الأوهام والضلال كما قال المفسرون، وفى الوقت نفسه له أصحاب يدعونه إلى الطريق المستقيم، وهو حيران متردد بين دعوة الأوهام والدعوة الحق، فهو تشبيه حال المؤمن الذي يرى الأوهام ويرى الهادي.
وهذا تصوير من الله تعالى لحال من يترك الحق إلى أوهام، ويكون حيران أي مترددا بين الضلال والهدى، وبين النور والظلمة.
وقد أمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم بعد هذا التشبيه البين المبين: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) أي إن هدى الله تعالى هو وحده الهدى أي لَا هدى غيره، وقد بين سبحانه أن الهدى هو حق الله وحده، بالعبارة الدالة على القصر، وهي تعريف الطرفين، وضمير الفصل، الذي يدل على أنه لا هداية غير هداية الله، ومن عُدِم هذه الهداية فهو في ضلال مبين.
ولقد قال تعالى فيما ترتب على أن الهداية من الله وحده: (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) أي أمرنا من الله تعالى الهادي إلى سواء السبيل بألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، وأن نكفر بالجبت والطاغوت، وأن نطيع الله تعالى الذي أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث، وأن نكون ربانيين وذلك لنسلم، اللام لام العاقبة أو لام كي للتعليل، ونسلم أي نخلص، ونكون لله تعالى حده، وقد أسلمنا وجهنا لله مخلصين له سبحانه.