هذا تصريف في القول المحكم الصادق ليدركوا الأمور على وجوهها بعد أن يوجهوا إليها، رجاء أن يفقهوا ويدركوأ، فالرجاء هنا في قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) هو في حالهم إذا كانوا يعتبرون، وفيما هو من شأن ذلك التصريف في القول الحكيم، ويفقهون معناها يدركون لب الحقائق، وتنفذ بصائرهم إليها، والله سبحانه هو الحكيم الخبير العليم.
(وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ(66)
بين الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أنه سبحانه وتعالى هو الذي يلجأ إليه عند الشدة، وأنهم يلجئون إليه ويدعونه تضرعا وخفية في ظلمات البر والبحر، وأنه هو وحده المنجي، ولا منجي سواه، وأنه سبحانه منزل الشدائد، وهم بعد زوال الغمة بدل أن يوفوا بعهودهم ويشكروا نعمة الله باختصاصه بالعبادة، كما اختص بالإنجاء والابتلاء - يشركون غيره ممن لَا يضر ولا ينفع، وفى هذه يقرر موقفهم من الحق، وخوضهم في أمره بالباطل مما يدل على أن سبب ضلالهم أنهم لَا ينظرون في قضية العبادة نظرة جادة تتكافأ مع مقدار الجلال في الحقائق الدينية والمعاني الإلهية، ولذلك لَا تنافذ بصائرهم، ولا تهتدي قلوبهم، بل هم في غي دائم حتى يسترشدوا فيرشدوا ويطلبوا الحق فيهتدوا.
(وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيل) .
مع هذا التصريف في بيان الآيات، بذكر النعمة التي يلجأون إلى طلبها دون سواه، وبيان القدرة الكاملة الشاملة، وبيان أنه الذي ينزل الابتلاء، والعذاب الدنيوي ليقيسوا عليه من بعد العذاب الأخروي، كذبت قريش قوم النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكذيبها مع قيام البينات الصادقة، ومع حالهم من الاستسلام، وطلب النجاة منه عند الشدة، يدل على إدراك ناقص أولا - لأنَّ مناقضة الشخص لحاله أو لبعض أحواله دليل على غفلته عن إدراك الحقائق كاملة، وعن نسيان الوقائع، ويدل أيضا على جحود مستحكم ومقاومة للحق مع قيام الأدلة، وشهادة الآيات، ويدل على تغلغل التقليد في نفوسهم، حتى إنه يضع على أعينهم غشاوة، وإن كان البصر قائما، فلهم أعين لَا يبصرون بها ولهم آذان لَا يسمعون بها.