فإن قال قائل: لله الملك في كل يوم وقوله الحق في كل وقت، فلم خص {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} ؟ والجواب: أنه اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد نفع لأحد ولا ضر، فكان كما قال الله تعالى: {وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19) } [الانفطار: 19] والأمر في كل وقت لله عز وجل؛ ذكر هذا كله أبو إسحاق. وأما الصور فقال الفراء والزجاج: (يقال: إن الصور قرن ينفخ فيه، ويقال: الصور جمع سورة ينفخ في صور الموتى - والله أعلم -) ، قال الزجاج: (وكلاهما جائز، وأثبتهما في الحديث والرواية أن الصور قرن) .
وقال أبو عبيدة: (الصور جمع سورة مثل سورة البناء وسور) .
وأخبرني أبو الفضل العروضي قراءة وسعيد بن العباس القرشي كتابة قالا: أنبأنا الأزهري قال: عن أبي الهيثم أنه قال: اعترض قوم فأنكروا أن يكون الصور قرنًا، كما أنكروا العرش والميزان والصراط، وادعوا أن الصور جمع الصورة كما أن الصوف جمع الصوفة والثوم جمع الثومة، ورووا ذلك عن أبي عبيدة، قال أبو الهيثم: وهذا خطأ فاحش وتحريف لكلم الله عن مواضعه؛ لأن الله قال: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غافر: 64] وقال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} [الكهف: 99] فمن قرأها: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} وقرأ: {فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} فقد افترى الكذب وبدل كتاب الله، وكان أبو عبيدة صاحب أخبارٍ وغريب ولم يكن له معرفة بالنحو.
قال الفراء: كل جمع على لفظ الواحد المذكر سبق جمعه واحدته فواحده بزيادة هاء فيه، وذلك مثل الصوف والوبر والشعر والقطن والعشب، فكل واحد من هذه الأسماء اسم لجميع جنسه، فإذا أفردت واحدته زيدت فيها هاء؛ لأن جمع هذا الباب سبق واحدته، ولو أن الصوفة كانت سابقة للصوف لقالوا: صوفَةٌ وصُوَف وبُسْره وبُسَر كما قالوا:
غُرْفة وغُرَف وزُلْفَة وزُلَف. وأما الصور: القرن فهو واحد لا يجوز أن يقال: واحدتها صورَة، وإنما تَجمع صورة الإنسان صورًا لأن واحدته لسبقت جمعه).