ونقل الزمخشري أن الرَّفْعَ في الثلاثة أعني قوله"ولا حبَّةٍ ولا رطبٍ ولا يابسٍ"وذكر وَجْهَيِ الرفع المتقدمين ، ونظر الوجه الثاني بقولك: لا رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار.
قال ابن عبَّاس: المراد بـ"الرطب"الماء ، و"اليابس"البادية.
وقال عطاء: يريد ما نَبَتَ وما لا يَنْبُتُ.
وقيل: ولا حَيّ ولا مَوَات.
وقيل: هو عبارة عن كل شيء .
قوله:"إلاَّ فِي كتابِ مُبين"في هذه الاسْتِثْنَاءِ غُمُوضٌ ، فقال الزمخشري: وقوله"إلاَّ في كتابٍ مُبينٍ"كالتكرار لقوله:"إلاَّ يَعْلَمُهَا"لأن معنى"إلاَّ يَعْلَمُهَا"ومعنى"إلاَّ في كتابٍ مُبينٍ"واحد.
و"الكتاب"علم الله ، أو اللَّوْحُ ، وأبرزه أبو حيَّان في عبارة قريبة من هذه فقال:"وهذا الاسْتِثْنَاءُ جارٍ مُجْرى التوكيد ، لأن قوله"ولا حبَّةٍ""ولا رطب""ولا يابس"معطوف على"مِنْ ورقَةٍ"، والاسْتِثْنَاءُ الأول مُنْسَحِبٌ عليها ، كما تقول: ما جاءني من رجل إلا أكرمته ، ولا امرأة ، فالمعنى إلاَّ أكرمتها ، ولكنه لما طال الكلام أعيد الاستثناء على سبيلِ التوكيد ، وحسَّنه كونه فاصلة"انتهى.
وجعل صاحب"النظم"الكلام تامَّا عند قوله:"وَلاَيَابِس"، ثم اسْتَأنَفَ خبراً آخر بقوله:"إلاَّ في كتابٍ مُبين"بمعنى: وهو في كتاب مُبين أيضاً ، قال: لأنك لو جعلت قوله: إلاَّ فِي كتابٍ مُبينٍ"مُتصلاً بالكلام الأوَّلِ لفسد المعنى ، وبيان فساده في فَصْلٍ طويل مذكور في سورة"يونس"في قوله: {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61] ."
قال شهابُ الدِّين: إنما كان فاسد المعنى من حيث اعتقد أنه اسْتِثْنَاءٌ آخر مستقل ، وسيأتي كيف فَسَادُهُ.
أمَّا لو [جعله] اسْتِثْنَاءً مؤكّداً للأول ، كما قاله الزمخشري لم يَفْسُدِ المعنى.