وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى عِلْمِ الْغَيْبِ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ: افْتَحْ عَلَيَّ كَذَا أَيْ أَعْطِنِي ، أَوْ عَلِّمْنِي مَا أَتَوَصَّلُ [بِهِ] إلَيْهِ.
فَأَمَّا قَوْلُ السُّدِّيِّ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْمَفَاتِحِ الْخَزَائِنُ فَمَجَازٌ بَعِيدٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَعِلْمٌ سَدِيدٌ مِنْ فَكٍّ شَدِيدٍ.
وَأَمَّا قَوْلُ الثَّالِثِ فَأَنْكَرَهُ شَيْخُنَا النَّحْوِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ ، وَقَالَ: أَجْمَعَتْ أَيْ الْفِرْقَةُ السَّالِفَةُ الصَّالِحَةُ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى غَيْرِهِ ؛ وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَصَحُّ وَأَوْلَى.
وَأَظُنُّهُ لَمْ يَفْهَمْ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ ، وَلَا اغْتَزَى فِيهِ الْمَغْزَى ، وَلَقَدْ أَلْحَمَ فِيهِ الصَّوَابَ وَسَدَى ، وَإِذَا مَنَحْته نَقْدًا لَمْ تَعْدَمْ فِيهِ هُدًى ؛ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى عِلْمُ الْغَيْبِ ، وَبِيَدِهِ الطُّرُقِ الْمُوصِلَةِ إلَيْهِ ، لَا يَمْلِكُهَا إلَّا هُوَ ؛ فَمَنْ شَاءَ إطْلَاعَهُ عَلَيْهَا أَطْلَعَهُ ، وَمَنْ شَاءَ حَجْبَهُ عَنْهَا حَجَبَهُ ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ إفَاضَتِهِ إلَّا عَلَى رُسُلِهِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} .