لبعضها من بعض ، حتى (يقتص للجماء) من ذات القرن ، ثم يقال لها: كوني تراباً ، فعند ذلك {وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً} [النبأ: 40] . وإن شئتم فاقْرَأوا: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض (وَلاَ طَائِرٍ) يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} إلى {يُحْشَرُونَ} .
ومعنى: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} - وقد علم أنه لا يطير إلا بهما -: أن هذا كلام جرى على عادة العرب في لغاتها في التأكيد فخوطبوا بما يعلمون أنه مستعمل عند العرب ، (( تقول العرب) :"مشيتُ إليه برجلي"و"كلمته بفمي"فوكد الطيران (( بقوله ) ): (بجناحيه) على ذلك.
وقيل: لما كانت العرب تستعمل لفظ"الطيران"في غير الطائر ، فتقول لمن ترسله في حاجة:"طِر في حاجتي"، تريد"أسرع". ويقولون:"كاد الفرس يطير"إذا أسرع في جريه ، فيعبرِّون بالطيران عما ليس له جناحان ، ففرق
بذكر الجناحين بين المعنيين.
ويكون"الطائر"عمل الإنسان اللازم له من خير وشر ، ويكون"الطائر"من السعد والنحس ، كقوله: {طَائِرُكُمْ عِندَ الله} [النمل: 47] ، فبين في الآية/ . أنه الطائر الذي يطير بجناحيه ، لا غير.
وقيل: معنى { (إِلاَّ أُمَمٌ) أَمْثَالُكُمْ} أي: خلقهم ودبّرهم ورزقهم وكتب آثارهم وآجالهم كما فعل بكم.
(و) قوله: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ} أي: قد دللنا على كل شيء من أمر الدين في القرآن ، إما دلالة مشروحة ، وإما جملة.
قال ابن عباس:"ما تركنا شيئاً إلاَّ قد كتبناه في أمِّ الكتاب"، يعني اللوح المحفوظ مما يكون وكان .
وقيل: المعنى: أن آثار هذه الأمم وآجالها وأرزاقها ، كل مكتوب عند الله ، فلم يفرط فيه في الكتاب الذي عنده ، كل مكتوب فيه.
ف (الكتاب) على هذا القول والذي قبله: هو اللوح المحفوظ و (الكتاب) في القول الأول: هو القرآن.