ولتوسيع المقام مجال بأن اعتبر الْكَلَام من أول السُّورَة لكن الأول هُوَ المعول عليه.
قوله: (وتارة بالتَّنْبيه) وهو (ولقد أرسلنا إلَى أمم) الآية. ويمكن
استنباط الترهيب بل الترغيب منه أَيْضًا (والتذكير بأحوال المتقدمين(ثم هم يصدفون) عطف
على (نصرف) داخل في حكمه وهو العمدة في التعجيب كذا قيل.
قوله: (يعرضون عنها) وعدم تناسبهما في الفعلية لا يضر بل فيه تنبيه عَلَى [تجدد]
تصريف الآيات ودوام إعر ضهم عن الإيمان وهذا يفوق عَلَى مراعاة تناسبهما في الفعلية.
قوله: (وثم لاستبعاد الإعراض بعد تصريف الآيات وظهورها) وجه اختيار ثم دون
الإشَارَة إلَى عدم كونها للعطف وظهورها مُسْتَفَاد من تكرارها.
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ(47)
قوله: (من غير مقدمة) والْمُرَاد بالمقدمات معناها اللغوي وهي أمارات عَلَى حلول
العذاب متقدمة أشار به إلَى أن بغتة معناها وقوع العذاب من غير شعور به أمارات تؤذن به
ومعنى الجهرة وقوعه بتقدم علامات تؤذن بحلوله ولهذا حسن التقابل بين البغتة والجهرة
مع أن مقابل الجهر الخفية والجهر هنا مُسْتَعَار للإعلان كقَوْله تَعَالَى:(يعلم سركم
وجهركم)فيظهر حسن التقابل جزمًا وفي بعض التفاسير لما كانت البغتة
هجوم الأمور من غير ظهور أمارة وشعور به تضمنت معنى الخفية فصح مقابلتها بالجهرة
وهذا الاعتذار إنما يحسن إذا كان الجهر بمعناه الحقيقي وليس كَذَلكَ بل هُوَ عبَارَة عن
وقوع العذاب بتقدم أمارات تؤذن بحلوله، كَمَا صَرَّحَ به المصنف فـ [حِينَئِذٍ] التقابل ظَاهر واضح ولا
يقال اسْتُعيرَ لفظ البغتة لما لم يتقدم عليه الأمارة عَلَى سبيل الكناية بإطلاق الجهرة عَلَى ما
تقدم عليه الأمارة بطَريق الْمَجَاز الْمُرْسَل لأنه قول مستحدث لم يقل به أحد لأن الاسْتعَارَة
المكنية بدون تخييلية بل بمقابلة الْمَذْكُورة من إطلاق الجهرة عَلَى ما تقدم عليه الأمارة لم
يذكرها أرباب الْمَعَاني والتزام كونها مسألة لم تذكرها أصل الْمَعَاني أفحش فسادًا لأن لكل
أحد أن يخترع من تلقاء نفسه مسألة لم تذكر في فن الْمَعَاني وأنه لو صح ما ذكره لصح
عكسه بأن يقال اسْتُعيرَ لفظ الجهرة لما تقدم عليه الأمارة بقرينة مقابلته لما لم يتقدم عليه
الأمارة بل هذا أولى بذلك لكونه مؤخرًا، فالأولى ما ذكرناه من أن الجهرة مَجَاز مُرْسَل
للإعلان أو اسْتعَارَة له والبغتة في بابها قدم البغتة لأنها ذكرت أولًا في قوله:(فأخذناهم
بغتة)وقيل لأنه أردع من الجهرة وفيه ما فيه.
قوله: (يتقدمها أمارة) أي الْمُرَاد جهرة أماراتها وإلا فما أتاهم بغتة يجوز إتيانه
مجاهرة. أي علنًا ثم إن اختص الجهر بالصوت فهو هنا مجاز للإعلان (تؤذن بحلوله) .
قوله: (وقيل ليلًا) ناظر إلَى بغتة.
قوله: (أو نهارًا) ناظر إلَى الجهرة فـ [حِينَئِذٍ] يكون الجهر وصفًا للعذاب نفسه لكن لا يظهر