قوله: (وقرأ ابن كثير ينزل بالتخفيف. والْمَعْنَى واحد) أي في هذا المقام وإلا فالتنزيل
في الأصل لما يكون بالتدريج والْإنْزَال لما هُوَ بالتفريق والتنجيم.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(38)
قوله: (تدب عَلَى وجهها) أي الْمُرَاد بالدابة الْمَعْنَى اللغوي لا العرفي وما تدب
وتتحرك في جوف الْأَرْض فجوفها بالنسبة إليها وجهها فلا ينافي العموم، أو خصه بالذكر
لظهوره؛ إذ المقصود كما سيجيء الإرشاد إلَى كمال قدرته وما يظهر لنا أتم في هذا المرام.
(وَقُرئَ طائر بالرفع عَلَى المحل) .
قوله: (في الهوى) قيده به قطعًا لاحتمال الْمَجَاز أولًا وإلا فالطيران لا يكون إلا في
الهوى. قوله قطعًا لمجاز السرعة. أي قطعًا لاحتمال مجاز السرعة لكن هذا الاحتمال لا عن
دليل فلا إشكال بأن الوصف لا يقطع احتمال التَّجَوُّز لاحتمال أن يكون تَرْشيحًا له، وأما
الاعتراض بأن حيتان البحر خارجة عن الجنسين فضعيف؛ لأنه لا يقصد في أصله بيان
أحوال الموجودات الحادثة بأسرها، أَلَا [تَرَى] أن أحوال ما في السماء لم يتعرض لها بل
الْمُرَاد بها الدلالة عَلَى كمال قدرته إلَى آخر ما ذكره المص. وذكر أحوال بعض الممكنات
كاف في تلك الدلالة حتى لو اكتفى بذكر دابة أو طائر لكفى في حصوله المرام، ولم يتعرض
لفَائدَة ذكر الدابة بكونها في الْأَرْض، وذكر صاحب الكَشَّاف إنه فَائدَة الوصفين زيادة التعميم
والإحاطة وفي المطول ومنه قَوْلُه تَعَالَى:(وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ
بِجَناحَيْهِ)حيث وصف دابة وطائر بما هُوَ من خواص الجنس لبيان أن
القصد منهما إلَى الجنس دون الفرد، وبهذا الاعتبار أفاد هذا الوصف زيادة التعميم والإحاطة
أي لو لم يكن الوصف لاحتمل أن يكون الْمُرَاد دابة أرض معينة واحدة وطائر جو معين
على أن يكون الاسْتغْرَاق المُسْتَفَاد من وقوع النكرة في سياق النفي عرفيًا لا حقيقيًا
والوصف يقطع هذا الاحتمال لكونه من خواص الجنس فالقصد إلَى الجنس دون الفرد وإن
كان ما ذكر من الكون في الْأَرْض والطيران حال الأفراد دون الجنس فالمقصود الجنس
والماهية من حيث تحققه في ضمن جميع الأفراد بسَبَب وقوعه في سياق النفي منكرًا، وهذا
لا يلائم قولهم لفظة لا التي للجنس نص في الاسْتغْرَاق وكذا لفظة ما مع من الزائدة نص
في الاسْتغْرَاق، وقد صرح به في المطول فما ذكر من الاحتمال احتمال لا عن دليل فلا يعبأ
به ولو اعتبر هذا لأمكن اعتباره بعد الوصف أَيْضًا، أَلَا [تَرَى] أن كل حَقيقَة تحتمل الْمَجَاز
بهذا الاحتمال وكذا كل لفظ يحتمل أن يكون مشتركًا إلَى غير ذلك، ولعل لهذا قال المص
وصفه به قطعًا لمجاز السرعة في الثاني، ولك أن تقول: وصفها بكونها في الْأَرْض احترازًا
عن الدابة في السَّمَاء. قال المصنف في قوله: (وللَّه يسجد ما في السَّمَاوَات وما في الْأَرْض)
من دابة قوله من دابة بيان لهما لأن الدب هي الحركة الجسماية سواء كان
في سماء أو في أرض انتهى. قوله وصف به اختاره لأن الظاهر وقيل إنه تأكيد. وقيل إنه