إذن فمن الممكن ان يأتي عذاب الله بغتة للكافرين به أو يأتيهم بالعذاب جهرة . وما السبب في التلوين بين"بغتة"و"جهرة"؟ البغتة تثبت لمن يعبد غير الله أنه مخدوع في عبادته لغير الله ، لأنه لو كان يعبد إلهاً حقاً لما قبل هذه الإله أن يعذب أتباعه من حيث لا يشعر . إذن فالبغتة تثبت عجز المعبودين من أصنام وغيرها ، فقد عجزت تلك الأصنام أن تحتاط للعابدين لها . وقد يقول قائل منهم: لقد جاءنا العذاب فجأة ، لكن لو جاء لنا مواجهة لكنا قادرين على مواجهته والوقوف أمامه .
فيأتي الله أيضاً بالعذاب جهرة فلا يستطيعون مواجهته فتنتقطع حجتهم ، وعلى الرغم من ذلك تموت في قلوب هؤلاء المعاندين القدرة على إبصار ضرورة الإيمان . ويعامل سبحانه خصوم رسولنا - صلى الله عليه وسلم - مثل هذه المعاملة ، فعندما عانده القوم جاءهم الله سبحانه بأمور معجزة لعلهم يتفكرون .
فهاهم أولاء قد اتفقوا على قتلة قبل الهجرة ، ويقفون على باب بيته ، ويخرجه الحق من بينهم وهم لا يبصرون ، ولا يفلحون في التآمر على رسول الله ، ولا ينجح لهم تبييت ضد رسول الله ، ويكون مكر الله فوق كل مكر يريد به أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم إيذاءه به . وهم قد ذهبوا إلى الجن ليسحروا له ، لكن لا هذا السحر قد نفع ، ولا ذاك التبييت أتى بنتيجة . وكانت تكرمة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فوق كل شيء ويقول الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون} [الأنعام: 47] .
ويكون تذييل الآية - أيضاً - على هيئة استفهام ، والاستفهام هنا - كما علمنا من قبل - إنما جاء ليؤكد المعنى ، وليكون الإقرار من أفواه من يتلقون هذا الاستفهام وعن يقين منهم ، وليكون الاعتراف منهم إجابة بالإقرار ، والإقرار - كما نعلم - هو سيد الأدلة .