ومثال ذلك قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل} [الفيل: 1] .
وهذا خطاب من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم عنا حدث لأصحاب الفيل في عام ولادته صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن الحدث موضع رؤية لرسول الله صلى الله عليه وسلم . ولقائل أن يقول: كيف يخاطب الله ورسوله باستفهام عن حادث لم يره؟ ونقول: إن الحق بهذا الاستفهام يوضح لرسوله: اسمع مني ، وسماعك مني فوق رؤية عينيك للحدث ، فإذا ما قلت لك:"ألم تر"فمعناها: اعلم علماً يقينياً ، وهذا العلم اليقيني يجب أن تثق في صدقه كأنك رأيته رؤية العين وفوق ذلك أيضاً فإن عينك قد تخدعك أو تكذب عليك ، ولكن حين يخبرك ربك لا يخدعك ولا يكذب عليك أبداً .
إذن فالحق يريد أن يخرج هذه الأساليب مخرج اليقين .
وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فحين يحاول إنسان قد أحسنت إليه كثيراً أن يجحد إحسانك ، فأنت لا تقول له: أنا أحسنت إليك ، ولكنك تقول له: أرأيت ما فعلته معك يوم كذا ، ويوم كذا؟ وهنا يبدو كلامك كاستفهام منك ، لأنك واثق أنه حين يدير رأسه في الجواب فلم يجد إلا ما يؤيد منطقك من وقوفك إلى جانبه ، وإحسانك إليه ، ولن يجد إلا أن يقول لك: نعم رأيت أنك وقفت بجانبي في كل المواقف التي تذكرها . وفي مثل هذا القول إلزام لا من موقع المتكلم ، ولكن من واقع المخاطب .