اعلم ، أنّ الإنسان إذا تعدّى كلّ ما ذكرناه ، واستخلصه الحقّ لنفسه ، واستصلحه لحضرة أحديّة جمعه وقدسه من جملة ما يطلعه عليه كلّيّات أحكام الأسماء والصفات المضافة إلى الكون والمضافة إليه سبحانه ، والقابلة للحكمين ، فمن جملة ما يشاهده فِي هذا الإطلاع المشار إليه الكمال الإلهي المستوعب كلّ اسم وصفة وحال ، كما أشرت إليه الآن ، وعلى ما ستعرفه أو تفهم عن قريب - إن شاء الله تعالى - ، فيرى أنّ الصفات - الظاهرة الحسن والخفيّ حسنها - كلّها له وإليه مرجعها ، وأنّها - من حيث هي له - حسنة كلّها عامّة الحكم ، لا يخرج عن حيطتها أحد ، فإنّه سبحانه كما أنّه محيط بذاته ، كذلك هو محيط بصفاته.
وهذا الوصف المتكلّم فيه - أعني الحيرة - من جملة الصفات ، وقد نبّهت الحقيقة بلسان النبوّة على أصلها فِي الجناب الإلهي
بقوله"ما تردّدت فِي شيء أنا فاعله تردّدي فِي قبض نسمة عبدي المؤمن"الحديث
، وقد ذكرته من قبل ، فعرّفنا أنّ ثمّة تردّدات كثيرة هذا أقواها ، فافهم.
ولهذا نسب الإضلال سبحانه إليه بقوله: يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ، وتسمّى به.
والفاتح لسرّ عموم حكمه ، وأمثاله ما ذكرناه من أنّ الهداية والضلال وأمثالهما من الصفات المتقابلة إنّما تثبت بالنسبة والإضافة ، فكلّ فرقة ضالّة بالنسبة إلى الفرقة المخالفة
لها ، فحكم الضلال إذا منسحب على الجميع من هذا الوجه ، ومن حيث إنّ ترتّب حكم الناس على أكثر الأشياء هو بحسب ظنونهم وتصوّراتهم ، مع اليقين الحاصل بالإخبار الإلهي وغيره إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً""