واعلم ، أنّ السرّ فيما ذكرنا هو أنّ الخلق كلّهم مظاهر الأسماء والصفات ، ولكلّ اسم وصفة تجلّيات ، وعلوم أحكام وآثار تظهر فِي كلّ من هو فِي دائرته وتحت حكمه وتصريفه كما بيّنّا أنّ كلّ صنف من الموجودات إنّما يستند إلى الحقّ ، ويأخذ منه من حيثيّة اسم خاصّ هو سلطانه.
ولمّا كانت الأسماء متقابلة ومختلفة ، وكانت أحكامها وأذواقها وآثارها وأحوالها أيضا كذلك ظهر للّبيب - وإن لم يكمل كشفه بعد - أنّ سبب الاختلاف هنا هو سبب
الاختلاف فِي الأصل ، فهي فِي التعيّن تابعة للخلق ، والخلق فِي الحكم والحال تابعون لها.
ولمّا كان كلّ اسم من وجه عيّن المسمّى ، ومن وجه غيره - كما بيّن من قبل - كان حكمها أيضا ذا وجهين: فالمحجوبون من أهل العقائد غلب عليهم حكم الوجه الذي به يغاير الاسم المسمّى ، وأهل الأذواق المقيّدة غلب عليهم حكم الوجه الذي يتّحد به الاسم والمسمّى ، مع بقاء التمييز والتخصيص الذي تقتضيه مرتبة ذلك الاسم ، والأكابر لهم الجمع والإحاطة بالتجلّي الذاتي ، وحكم حضرة أحديّة الجمع ، فلا يتقيّدون بذوق ولا معتقد ، ويقرّرون ذوق كلّ ذائق ، واعتقاد كلّ معتقد ، ويعرفون وجه الصواب فِي الجميع والخطاء النسبي ، وذلك من حيث التجلّي الذاتي ، الذي هو من وجه عين كلّ معتقد ، والظاهر بحكم كلّ موافق ومخالف منتقد ، فحكم علمهم وشهودهم يسري فِي كلّ حال ومقام ، ولهم أصل الأمر المشترك بين الأنام ، والسلام.
وصل فِي بيان سرّ الحيرة الأخيرة ودرجاتها وأسبابها