واعلم ، أنّ كلّ مرتبة هاتين المرتبتين تشتمل على درجات لكلّ درجة أهل ، وبين المرتبتين أيضا درجات كثيرة لها أرباب ، وهكذا الأمر فِي كلّ ما ذكرناه من هذا القبيل فِي هذا الكتاب وغيره ، إنّما نكتفي بذكر الأصول الحاصرة التي لا يخرج شيء عنها من جنسها.
وأمّا التفاصيل المتشعّبة فقد أضربنا عنها صفحا ، لرغبتنا فِي الإيجاز ، ولو لا قصور المدارك ما احتجت إلى هذه التنبيهات فِي أثناء الكلام لأنّها كالعلاوة الخارجة عن المقصود.
ثم نرجع ونقول: وأعلى مراتب الرضا فِي مرتبة العبوديّة أن يصحب العبد الحقّ لا بغرض ولا تشوّف ولا توقّع مطلب معيّن ولا أن يكون علّة صحبته له ما يعلمه من كماله ، أو بلغه عنه ، أو عاينه منه ، بل صحبة ذاتيّة لا يتعيّن لها سبب أصلا ، وكلّ أمر وقع فِي العالم أو فِي نفسه يراه ويجعله كالمراد له ، فيلتذّ به ويتلقّاه بالقبول والبشر والرضا ، فلا يزال من هذا حاله فِي نعمة دائمة ونعيم مقيم ، لا يتّصف بالذلّة ولا بأنّه مقهور أو مغضوب عليه ، فتدركه الآلام لذلك ، وعزيز صاحب هذا المقام ، قلّ أن يوجد ذائقة . وسبب قلّة ذائقة أمران:
أحدهما: عزّة المقام فِي نفسه لأنّه من النادر وجدان من يناسب الحقّ فِي شؤونه ، بحيث يسرّه كلّ ما يفعله الحقّ وكأنّه هو فاعله والمختار له بقصد معيّن. وغير ذلك ممّا لا يمكن التصريح به.