والأمر الآخر: كون الطريق إلى تحصيل هذا المقام مجهولا ، ولمّا كان الإنسان لا يخلو نفسا واحدا عن طلب يقوم به لأمر مّا ، والطلب وصف لازم لحقيقته لا ينفكّ عنه ، فليجعل متعلّق طلبه مجهولا غير معيّن إلّا من جهة واحدة ، وهو أن يكون متعلّق طلبه ما شاء الحقّ إحداثه فِي العالم وفي نفسه أو غيره ، فما رآه أو سمعه أو وجده فِي نفسه أو عامله به أحد ، فليكن ذلك عين مطلوبه المجهول قد عيّنه له الوقوع ، فيكون قد وفى حقيقة كونه طالبا ، ويحصل له اللذّة بكلّ واقع منه أو فيه أو فِي غيره أو من غيره.
فإن اقتضى ذلك الواقع التغيّر تغيّر لطلب الحقّ منه التغيّر ، فهو طالب الواقع ، والتغيّر هو الواقع ، ليس بمقهور فيه ولا مغضوب عليه ، بل ملتذّ فِي تغيّره ، كما هو ملتذّ فِي الموجد للتغيير ، وما ثمّ طريق إلى تحصيل هذا المقام إلّا ما ذكر ، فافهم.
وما رأيت بعد الشيخ رضي اللّه عنه من قارب هذا إلّا شيخا واحدا اجتمعت به فِي المسجد الأقصى ، ثم فِي موضع آخر ، هو من أكبر من لقيت ، أعرف له من العجائب ما لا يقبله أكثر العقول. صحبته وشاهدت من بركاته فِي نفسي وفي ذوقي غرائب رضي اللّه عنه.
وصل فِي قوله: وَلَا الضَّالِّينَ
قد سبق فِي تفسير هذه الكلمة نكت نفيسة بلسان الظاهر والباطن وغيرهما ، تنبّه على جملة من الأسرار ، وسنذكر الآن تمامها - إن شاء الله تعالى - ، فنقول:
أمّا بيان ما بقي من ظاهرها فهو أنّ هذه الكلمة معطوفة على قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ، فهو استثناء تابع لاستثناء لا غير.
وأمّا الواجب بيانه هنا فتعيين مراتب الضلالة ، وأهلها وأحكامها. ولنقدّم مقدّمة كلّية نافعة قريبة من الأفهام ، ثم نشرع فِي التفصيل.
اعلم ، أنّ إضلال الحقّ عبده هو [عدم عصمته إيّاه عمّا نهاه عنه] ، وعدم معونته وإمداده بما يتمكّن به من الإتيان بما أمره به ، أو الانتهاء عمّا نهاه عنه.