و ظاهره من قبله العذاب ، وله التطهير ومزيد الترقّي فِي الأمور التي سبق العلم أنّها لا تنال تماما إلّا بهذه المحن المنبّه على أصلها. وفوق هذا سرّ عزيز جدّا لا أعرف له ذائقا ، أذكره - إن شاء الله تعالى - وذلك أنّ الكمّل من أهل الله من الأنبياء والأولياء ومن شاركهم فِي بعض صفات الكمال إنّما امتازوا عن سواهم أوّلا بسعة الدائرة وصفاء جوهريّة الروح والاستيعاب الذي هو من لوازم الجمعيّة ، كما نبّهتك عليه فِي سرّ مرتبة أحديّة الجمع واختصاصها بالإنسان الذي هو برزخ الحضرتين ومرآتهما. وحضرة الحقّ مشتملة على جميع الأسماء والصفات ، بل هي منبع لسائر النسب والإضافات والغضب من أمّهاتها والمجازاة الشريفة الصفاتيّة الأولى إنّما كانت بين الغضب والرحمة ، فمن ظهر بصورة الحضرة تماما وكانت ذاته مرآة كاملة لها ، لا بدّ وأن يظهر فيها كلّ ما اشتملت عليه الحضرة ، وما اشتمل عليه الإمكان على الوجه الأتمّ ، ومن أمّهات ما فيها ما ذكرنا فلا جرم وقع الأمر كما علمت ، ولو لا سبق الرحمة الغضب ، كان الأمر أشدّ ، فكما أنّ حظّهم من الرحمة والنعيم والعظمة والجلال أعظم من حظوظ سواهم بما لا نسبة ، فكذلك كان الأمر فِي الطرف الآخر لكن فِي الدنيا لأنّ هذه النشأة هي الظاهرة بأحكام حضرة الإمكان المقتضية النقائص والآلام ونحو ذلك.
وعند الانتقال منها بعد التحقّق بالكمال يظهر حكم غلبة الرحمة الغضب وسبقها ، وثمرة الاستكمال المستفاد بواسطة هذه النشأة الجامعة المحيطة ، وحكم من دون الكمّل بالنسبة إليهم بحسب قرب نسبتهم منهم وبعدها ، وكذا نبّه صلّى اللّه عليه وآله
فقال:"نحن معاشر الأنبياء أشدّ الناس بلاء فِي الدنيا"
و
فيه - أي فِي الحديث -:"ثم الأمثل فالأمثل"
، و
ورد فِي طريق آخر فِي المعنى:"أشدّ الناس بلاء فِي الدنيا الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل"