أما الْمَاضِي فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى محاسبة نَفسه عَلَيْهِ، وَهل وَقع على السداد فيشكر الله عَلَيْهِ ويستديمه، أم خرج فِيهِ عَن الْحق فيتوب إِلَى الله تَعَالَى مِنْهُ ويتسغفره، ويعزم على أن لَا يعود.
وَأما الْهِدَايَة فِي الْحَال فَهِيَ مَطْلُوبَة مِنْهُ، فَإِنَّهُ ابْن وقته فَيحْتَاج أن يعلم حكم مَا هُوَ متلبس بِهِ من الأفعال هَل هُوَ صَوَاب أم خطأ.
وَأما الْمُسْتَقْبل فحاجته فِي الْهِدَايَة أظهر ليَكُون سيره على الطَّرِيق، وَإِذا كَانَ هَذَا شَأْن الْهِدَايَة علم أن العَبْد أشد شَيْء اضطرارا إليها، وأن مَا يُورِدهُ بعض النَّاس من السُّؤَال الْفَاسِد وَهِي أنا إِذا كُنَّا مهتدين فَأَي حَاجَة بِنَا أن نسْأَل الله أن يهدينا؟
وَهل هَذَا إلا تَحْصِيل الْحَاصِل؟
أفسد سُؤال وأبعده عَن الصَّوَاب وَهُوَ دَلِيل على أن صَاحبه لم يحصل معنى الْهِدَايَة وَلَا أحاط علما بحقيقتها ومسماها فَلذَلِك تكلّف من تكلّف الْجَواب عَنهُ بأن الْمَعْنى ثبتنا على الْهِدَايَة وأدمها لنا.
وَمن أحاط علما بحقية الْهِدَايَة وحاجة العَبْد إليها علم أن الَّذِي لم يحصل لَهُ مِنْهَا أضعاف مَا حصل لَهُ أنه كل وَقت مُحْتَاج إِلَى هِدَايَة متجددة لا سيما وَالله تَعَالَى خَالق أفعال الْقُلُوب والجوارح
فَهُوَ كل وَقت مُحْتَاج أن يخلق الله لَهُ هِدَايَة خَاصَّة، ثمَّ إن لم يصرف عَنهُ الْمَوَانِع والصوارف الَّتِي تمنع مُوجب الْهِدَايَة وتصرفها لم ينْتَفع بالهداية وَلم يتم مقصودها لَهُ، فَإِن الحكم لَا يَكْفِي فِيهِ وجود مقتضيه بل لَا بُد مَعَ ذَلِك من عدم مانعه ومنافيه.
وَمَعْلُوم أن وساوس العَبْد وخواطره وشهوات الغي فِي قلبه كل مِنْهَا مَانع وُصُول أثر الْهِدَايَة إليه فَإِن لم يصرفهَا الله عَنهُ لم يهتد هدى تَاما، فحاجاته إِلَى هِدَايَة الله لَهُ مقرونة بأنفاسه وَهِي أعظم حَاجَة للْعَبد.