لم يرد من ضلالتك؛ لأنه لو أراد ذلك قد هجاه، ولكنه على معنى التوفيق والتثبيت.
وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يحمل على سؤال الهداية ابتداء فيما
يستقبل؛ لأن الهداية عرض لا يبقى، فهو يسأل أن يخلق له أمثالها.
وقال بعضهم: هذا سؤال، واستنجاز لما وعدوا به في قوله: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 16] .
وقوله تعالى: {الصِّرَاطَ} [الفاتحة: 6] ، فيه لغات قد قرئ بها: السين، والصاد، والزاي، وإشمام الصاد الزاي.
فمن قرأ بالسين فإنه يقول: هو أصل الكلمة؛ لأنه من الاستراط بمعنى: الابتلاع، فالسراط يسترط السابلة. ولو لزم لغة من يجمعها صادا مع (الطاء) لم يعلم ما أصل الكلمة. ويقول من يقرأ بالصاد: إنها أخف
على اللسان، لأن (الصاد) حرف مطبق كـ (الطاء) فيتقاربان ويحسنان في السمع، والسين حرف مهموس فهو أبعد من الطاء.
ويقول من قرأ بالزاي: أبدلت منها حرفًا مجهورًا حتى يشبه (الطاء) في الجهر، ورمت الخفة، ويحتج بقول العرب: (زقر) في (صقر) .
ويقول من قرأ بالمضارعة: رمت الخفة، ولم أجعلها (زايا) خالصة، ولا (صادا) خالصة، فيلتبس أصل الكلمة بأحدهما.
قال ابن السراج: الاختيار (الصاد) للخفة والحسن في السمع، وهو غير ملتبس، لأن (السين) كأنها مهملة في الاستعمال مع (الطاء) عند من (الصاد) لغته، ومع ذلك فهي قراءة الأكثر. وأما (الزاي) الخالصة فليست بمعروفة، ولست أحب أن تحمل القراءة على هذِه اللغة.
وأما المضارعة فهو تكلف حرف بين حرفين، وذلك أصعب على
اللسان؛ لأنه إنما استعمل في هذِه الحال فقط، وليس هو حرفا تبنى عليه الكلمة، ولا هو من حروف المعجم. وقال صاحب"الحجة": الحجة لمن قرأ بالصاد: أن السين مضارعة لما أجمعوا على رفضه من كلامهم، ألا ترى أنهم تركوا إمالة (واقد) ونحوه كراهة أن يصعدوا بالمستعلي بعد التسفل بالإمالة. فكذلك يكره أن يتسفل بالسين ثم يتصعد بالطاء في (سراط) ، وإذا كانوا قد أبدلوا من (السين) (الصاد) مع القاف في: (صقت وصويق) ليجعلوها في استعلاء (القاف) ، فلأن يبدلوا منها (الصاد) مع (الطاء)
أجدر من حيث كانت (الصاد) إلى (الطاء) أقرب منه إلى (القاف) .