بل ذلك كله بيد الله الذي خلقه ورزقه وهداه، وأسبغ عليه نعمه، فلا يليق بالإنسان أن يتوجه إلى غيره، بل يجب عليه أن يتوكل على الله الذي بيده كل شيء، ويستعين به، ويحبه ويعبده وحده لا شريك له كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) } [الزمر: 65، 66] .
وتعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته في عبادة الله، وإن أحب غير الله حباً تاماً فلا بدَّ أن يسأمه أو يفارقه، ومن أحب شيئاً لغير الله فلا بدَّ أن يضره محبوبه، ويكون ذلك سبباً لعذابه في الدنيا والآخرة، والضرر حاصل له إن وجد أو إن فقد، فإن وجد حصل له من الألم أكثر من اللذة، وإن فقد تعذب بالفراق وتألم.
وصلاح العبد في عبادة ربه والاستعانة به، ومضرته وهلاكه في عبادة ما سواه، والاستعانة بما سواه.
فكل من توكل على غير الله خاب، وخذل من جهته، وكل من استنصر بغير الله خذل: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22) } [الإسراء: 22] .
والله تبارك وتعالى غني حميد، يحسن إلى عباده مع غناه عنهم، يريد بهم الخير، ويحسن إليهم، ويكشف الضر عنهم، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمة منه وإحساناً.
والعباد لا ينفعون إلا لحظوظهم، وكل عبد لا يقصد منفعتك دون نفسه، بل إنما يقصد منفعته بك، وإن كان في هذا ضرر عليك.
والرب عزَّ وجلَّ يريدك لك ولمنفعتك بك لا ينتفع بك، فلا ترجو المخلوق أو
تطلب منه منفعة لك، وتدعو وتسأل من ضره أقرب من نفعه، وليس له من الأمر شيء كمن: {يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) } ... [الحج: 12، 13] .
لكن أَحْسِن إلى الناس لله لا لرجائهم، وكما لا تخافهم فلا ترجوهم، وارجُ الله ولا ترجُ الناس.