وقراءة من قرأ إياك يعبد بالياء مبنياً للمفعول مشكلة ، لأن إياك ضمير نصب ولا ناصب له وتوجيهها إن فيها استعارة والتفاتاً ، فالاستعارة إحلال الضمير المنصوب موضع الضمير المرفوع ، فكأنه قال أنت ، ثم التفت فأخبر عنه أخبار الغائب لما كان إياك هو الغائب من حيث المعنى فقال يعبد ، وغرابة هذا الالتفات كونه فِي جملة واحدة ، وهو ينظر إلى قول الشاعر:
أأنت الهلالي الذي كنت مرة ...
سمعنا به والأرحبي المغلب
وإلى قول أبي كثير الهذلي:
يا لهف نفسي كان جلدة خالد ...
وبياض وجهك للتراب الأعفر
وفسرت العبادة فِي إياك نعبد بأنها التذلل والخضوع ، وهو أصل موضوع اللغة أو الطاعة ، كقوله تعالى: {لا تعبد الشيطان}
، أو التقرب بالطاعة أو الدعاء أن الذين يستكبرون عن عبادتي ، أي عن دعائي ، أو التوحيد إلا ليعبدون أي ليوحدون ، وكلها متقاربة المعنى.
وقرنت الاستعانة بالعبادة للجمع بين ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى ، وبين ما يطلبه من جهته.
وقدمت العبادة على الاستعانة لتقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة لتحصل الإجابة إليها ، وأطلق العبادة والاستعانة لتتناول كل معبود به وكل مستعان عليه.
وكرر إياك ليكون كل من العبادة والاستعانة سِيْقا فِي جملتين ، وكل منهما مقصودة ، وللتنصيص على طلب العون منه بخلاف لو كان إياك نعبد ونستعين ، فإنه كان يحتمل أن يكون إخباراً بطلب لعون ، أي وليطلب العون من غير أن يعين ممن يطلب..
ونقل عن المنتمين للصلاح تقييدات مختلفة فِي العبادة والاستعانة ، كقول بعضهم: إياك نعبد بالعلم ، وإياك نستعين عليه بالمعرفة ، وليس فِي اللفظ ما يدل على ذلك.
وفي قوله: نعبد قالوا رد على الجبرية ، وفي نستعين رد على القدرية ، ومقام العبادة شريف ، وقد جاء الأمر به فِي مواضع ، قال تعالى: {واعبد ربك}
{اعبدوا ربكم}
، والكناية به عن أشرف المخلوقين صلى الله عليه وسلم.