الوجه الثاني: أن أحسن السؤال ما وقع على سبيل المشافهة ، ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام لما سألوا ربهم شافهوه بالسؤال فقالوا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا}
[الأعراف: 23] ، و {ربَّنَا اغفر لَنَا}
[آل عمران: 147] ، و {رَبّ هَبْ لِى}
[آل عمران: 38] ، و {رَبّ أَرِنِى}
[الأعراف: 143] والسبب فيه أن الرد من الكريم على سبيل المشافهة والمخاطبة بعيد وأيضاً العبادة خدمة ، والخدمة فِي الحضور أولى.
الوجه الثالث: أن من أول السورة إلى قوله إياك نعبد ثناء ، والثناء فِي الغيبة أولى ، ومن قوله إياك نعبد وإياك نستعين إلى آخر السورة دعاء ، والدعاء فِي الحضور أولى.
الوجه الرابع: العبد لما شرع فِي الصلاة وقال نويت أن أصلي تقرباً إلى الله فينوي حصول القربة ، ثم إنه ذكر بعد هذه النية أنواعاً من الثناء على الله ، فاقتضى كرم الله إجابته فِي تحصيل تلك القربة ، فنقله من مقام الغيبة إلى مقام الحضور ، فقال: إياك نعبد وإياك نستعين.
الفصل السادس
في قوله {وإياك نستعين}
معنى قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
اعلم أنه ثبت بالدلائل العقلية أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله ، ويدل عليه وجوه من العقل والنقل ، أما العقل فمن وجوه: الأول: أن القادر متمكن من الفعل والترك على السوية ، فما لم يحصل المرجح لم يحصل الرجحان ، وذلك المرجح ليس من العبد ، وإلا لعاد فِي الطلب ، فهو من الله تعالى ، فثبت أن العبد لا يمكنه الإقدام على الفعل إلا بإعانة الله.
الثاني: أن جميع الخلائق يطلبون الدين الحق والاعتقاد الصدق مع استوائهم فِي القدرة والعقل والجد والطلب ، ففوز البعض بدرك الحق لا يكون إلا بإعانة معين ، وما ذاك المعين إلا الله تعالى ، لأن ذلك المعين لو كان بشراً أو ملكاً لعاد الطلب فيه.