قال ابن الجزري: ومن ثم امتنعت القراءة بالقياس المطلق، وهو الذي ليس له أصل في القراءة يرجع إليه، ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه كما روينا عن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت - رضي الله عنهما - من الصحابة، وعن ابن المنكدر، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وعامر الشعبي من التابعين أنهم قالوا: القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول فاقرؤوا كما علمتموه. ولذلك كان الكثير من أئمة القراءة كنافع وأبي عمرو يقول: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قرأت لقرأت حرف كذا كذا وحرف كذا كذا. (أما) إذا كان القياس على إجماع انعقد أو عن أصل يعتمد فيصير إليه عند عدم النص وغموض وجه الأداء؛ فإنه مما يسوغ قبوله ولا ينبغي رده لا سيما فيما تدعو إليه الضرورة؛ وتمس الحاجة مما يقوي وجه الترجيح ويعين على قوة التصحيح؛ بل قد لا يسمى ما كان كذلك قياسًا على الوجه الاصطلاحي؛ إذ هو في الحقيقة نسبة جزئي إلى كلي كمثل ما اختير في تخفيف بعض الهمزات لأهل الأداء، وفي إثبات
البسملة وعدمها لبعض القراء، ونقل (كتابيه إني) وإدغام (ماليه هلك) قياسًا عليه، وكذلك قياس (قال رجلان. وقال رجل) على (قال رب) في الإدغام كما ذكره الداني وغيره ونحو ذلك مما لا يخالف نصًا ولا يرد إجماعًا ولا أصلًا مع أنه قليل جدًا.
الشبهة الثانية: الاختلاف في الأحرف يوقع في شك وريب من القرآن
نص الشبهة:
يقولون: إن هذا الاختلاف في القراءات يوقع في شك وريب من القرآن، خصوصًا إذا لاحظنا في بعض الروايات معنى تخيير الشخص أن يأتي من عنده باللفظ وما يرادفه، أو باللفظ وما لا يضاده في المعنى كحديث أبي بكرة وفيه: كلها شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب نحو قولك: تعال وأقبل وهلم واذهب وأسرع وعجل. جاء بهذا اللفظ من رواية أحمد بإسناد جيد، ومثله حديث أُبي بن كعب.
وأكثر من ذلك ما جاء أن عبد الله بن مسعود أقرأ رجلًا: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) } فقال الرجل: طعام اليتيم فردها عليه فلم يستقم بها لسانه. فقال: أتستطيع أن تقول: طعام الفاجر قال: نعم. قال: فافعل.
أولًا: تخريج النصوص وبيان صحتها: