قال ابن قدامة: فأما ما نقل نقلًا غير متواتر كقراءة ابن مسعود - رضي الله عنه - (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتابِعَات) فقد قال قوم ليس بحجة؛ لأنه خطأ قطعًا؛ لأنه واجب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - تبليغ القرآن طائفة من الأمة تقوم الحجة بقولهم، وليس له مناجاة الواحد به، وإن لم ينقله على أنه من القرآن احتمل أن يكون مذهبًا، واحتمل أن يكون خبرًا ومع التردد لا يعمل به، والصحيح أنه حجة، لأنه يخبر أنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن لم يكن قرآنًا فهو خبر، فإنه ربما سمع الشيء من النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسيرًا فظنه قرآنًا، ففي الجملة لا يخرج عن كونه مسموعًا من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومرويًا عنه فيكون حجة كيف ما كان، وقولهم: يجوز أن يكون مذهبًا له؟ قلنا: لا يجوز ظن مثل هذا بالصحابة - رضي الله عنهم -، فإن هذا افتراء على الله تعالى وكذب عظيم؛ إذ جعل رأيه ومذهبه الذي ليس هو عن الله تعالى ولا عن رسوله قرآنًا، والصحابة - رضي الله عنهم - لا يجوز
نسبة الكذب إليهم في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا في غيره، فكيف يكذبوه في جعل مذاهبهم قرآنًا؟! هذا باطل يقينًا.
قال ابن مفلح: قال الخصم: لم يصرح بكونه قرآنًا، ثم لو صرح فعدم شرط القراءة لا يمنع صحة سماعه فيقول: هو مسموع من الشارع وكل قوله حجة وهذا واضح.
وكأن ابن مفلح يرد على النووي ومن تابعه أو قال بمثل قوله في شرح مسلم حيث قال: لأن ناقلها لم ينقلها إلا علي أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع، وإذا لم يثبت قرآنًا يثبت خبرًا، والمسألة محررة في أصول الفقه وفيها خلاف بيننا وبين أبي حنيفة رحمه الله.
وقال الماوردي: والقراءة الشاذة تقوم مقام خبر الواحد في وجوب العمل؛ لأنها منقولة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأما قراءة ابن مسعود وأُبيٍّ فإنما تجري في وجوب العمل بها مجرى خبر الواحد إذا أطلقت جرت مجرى التأويل دون التنزيل، ثم لو سلمت لحملت على الاستحباب وإطلاقها على الجواز.