قال الغزالي: ومعتمدنا شيئان: أحدهما: أن الشيء إنما يثبت من القرآن إما لإعجازه (2) ، وإما لكونه متواترًا، ولا إعجاز ولا تواتر (أي في القراءة الشاذة) ، ومناط الشريعة وعمدتها تواتر القرآن، ولولاه لما استقرت النبوة وما يبني على الاستفاضة لتوفر الدواعي على نقله كيف يقبل فيه رواية شاذة؟.
المسلك الثاني: مبنانا فيما نأتي ونذر الاقتداء بالصحابة - رضي الله عنه -، وقد كانوا لا يقبلون القراءة الشاذة.
ولذلك جمع عثمان - رضي الله عنه - المسلمين على مصحف واحد، ورد وأحرق كل ما سواه مما كان فيه قرآن، ومن المعلوم أن عثمان - رضي الله عنه - ممن أمرنا باتباع سنتهم، ولذلك قال ابن عبد البر: وأجمع العلماء أن ما في مصحف عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، وهو الذي بأيدي المسلمين اليوم في أقطار الأرض حيث كان هو القرآن المحفوظ الذي لا يجوز لأحد أن يتجاوزه، ولا تحل الصلاة لمسلم إلا بما فيه، وأن كل ما روي من القراءات في الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو غيرهم من الصحابة مما يخالف مصحف عثمان المذكور لا يقطع بشيء من ذلك على الله - عز وجل -.
قال النووي: لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع (6) ، وإذا لم يثبت قرآنًا لا يثبت خبرًا.
وقال ابن عبد البر: وإنما حل مصحف عثمان - رضي الله عنه - هذا المحل؛ لإجماع الصحابة وسائر الأمة عليه، ولم يجمعوا على ما سواه، ويبين لك هذا أن من دفع شيئًا ممن في مصحف عثمان كفر ومن دفع ما جاء في هذه الآثار وشبهها من القراءات لم يكفر.
القول الثاني: قال أصحابه إنها حجة، تثبت بها الأحكام وتعامل معاملة خبر الواحد، ذهب إلى ذلك الحنفية والحنابلة والشافعي في رواية البويطي، وبعض المالكية ورجحه الشوكاني في إرشاد الفحول.
قال ابن النجار الحنبلي في أثناء كلامه عن القرآن: وما صح منه أي مما لم يتواتر حجة عند أحمد وأبي حنيفة والشافعي فيما حكاه عنه البويطي في باب الرضاع وفي تحريم الجمع، وعليه أكثر أصحابه. وقالوا لأنه إما قرآن، أو خبر، وكلاهما موجب للعمل.