وتأمل جمال الكناية في قوله: (يَأْكُلانِ الطَّعامَ) . والمسيح مقر - كما رأيت - بعبوديته ولا يستنكف أن يكون لله عبدا، (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً) (النساء 172) .
وهاجم القرآن بكل قوة الإشراك بالله، وهو يهاجم ببلاغته العقل والوجدان معا فيأخذ في نقاش المشركين، ليصلوا إلى الحق بأنفسهم، ويلزمهم الحجة، ويقودهم إلى الصواب، فيسألهم عمن يرزقهم، ومن يملك سمعهم وأبصارهم، ومن يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ومن يدبر أمر العالم، ومن يبدأ الخلق ثمّ يعيده، ومن يهدي إلى الحق، وإذا كان المشركون أنفسهم يعترفون بأن ذلك إنما هو من أفعال الله، فما قيمة هؤلاء الشركاء إذا، وما معنى إشراكهم لله في العبادة، أو ليس من يهدي إلى الحق جديرا بأن يعبد ويتّبع، أما من لا يهتدي إلا إذا اقتيد فمن الظلم عبادته، ومن الجهل اتباعه، وليست عبادة هؤلاء الشركاء سوى جرى وراءه وهم لا يغني من الحق شيئا، وتأمل جمال هذا النقاش الذي يثير التفكير والوجدان معا: (يثير التفكير بقضاياه، ويثير الوجدان بهذا التساؤل عن الجدير