ثم إن ما ذُكِرَ من التفسير هو المشهورُ من معنى الحمد ، واللائقُ بالإرادة فِي مقام التعظيم ، وأما ما ذُكِرَ فِي كُتُبِ اللغةِ من معنى الرضى مطلقاً كما فِي قوله تعالى: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا}
وفي قولهم: لهذا الأمر عاقبةٌ حميدةٌ ، وفي قول الأطباء: بُحْرَانٌ محمود ، مما لا يختص بالفاعل فضلاً عن الإختيار فبمعزل عن استحقاق الإرادة هاهنا استقلالاً ، أو استتباعاً بحملِ الحمدِ على ما يعم المعنيين ، إذ ليس فِي إثباته له عز وجل فائدةٌ يُعْتَدُ بها. وأما الشكْرُ فهو مقابلة النعمة بالثناء وآداب الجوارح ، وعقدُ القلبِ على وصفِ المنعم بنعت الكمال كما قال من قال:
أفادتكم النَّعْمَاءُ مني ثلاثة... يدي ولساني والضميرَ المُحجبا
فإذن هو أعمُّ منهما من جهة ، وأخص من أخرى. ونقيضُهُ الكفران ، ولما كان الحمد من بين شُعَبِ الشكر أَدْخَلَ فِي إشاعةِ النعمةِ والاعتدادِ بشأنِها ، وأدلَّ على مكانها لِما فِي عمل القلب من الخفاء ، وفي أعمال الجوارحِ من الاحتمال ، جُعِلَ الحمدُ رأسَ الشكر ، ومِلاكاً لأمره فِي قوله صلى الله عليه وسلم:"الحمدُ رأسُ الشُّكرِ ، ما شكرَ الله عبدٌ لم يحمدْهُ"