ثم إنه تعالى افتتح سوراً أربعة بعد هذه السورة بقوله: {الحمد للَّهِ}
فأولها: سورة الأنعام وهو قوله: {الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور}
[الأنعام: 1] واعلم أن المذكور ههنا قسم من أقسام قوله: {رَبّ العالمين}
لأن لفظ العالم يتناول كل ما سوى الله ، والسماوات والأرض والنور والظلمة قسم من أقسام ما سوى الله ، فالمذكور فِي أول سورة الأنعام كأنه قسم من أقسام ما هو مذكور فِي أول سورة الفاتحة ، وأيضاً فالمذكور فِي أول سورة الأنعام أنه خلق السماوات والأرض ؛ والمذكور فِي أول سورة الفاتحة كونه رباً للعالمين ، وقد بينا أنه متى ثبت أن العالم محتاج حال بقائه إلى إبقاء الله كان القول باحتياجه حال حدوثه إلى المحدث أولى ، أما لا يلزم من احتياجه إلى المحدث حال حدوثه احتياجه إلى المبقي حال بقائه ، فثبت بهذين الوجهين أن المذكور فِي أول سورة الأنعام يجري مجرى قسم من أقسام ما هو مذكور فِي أول سورة الفاتحة.
وثانيها: سورة الكهف ، وهو قوله: {الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب}
[الكهف: 1] والمقصود منه تربية الأرواح بالمعارف ، فإن الكتاب الذي أنزله على عبده سبب لحصول المكاشفات والمشاهدات ، فكان هذا إشارة إلى التربية الروحانية فقط ، وقوله فِي أول سورة الفاتحة: {رَبّ العالمين}
إشارة إلى التربية العامة فِي حق كل العالمين ، ويدخل فيه التربية الروحانية للملائكة والإنس والجن والشياطين والتربية الجسمانية الحاصلة فِي السماوات والأرضين ، فكان المذكور فِي أول سورة الكهف نوعاً من أنواع ما ذكره فِي أول الفاتحة.
وثالثها: سورة سبأ ، وهو قوله: