هذا التَّكَلُّف وهذا المقام لا يخلو عن كدر فإنه لو قيل إن الْكَلَام في اشْتقَاق الله يرد عليه
أنه لا معنى للاستحقاق مع لام التعريف فضلًا عن استحقاق لفظة الله، وَأَيْضًا لا يلائمه قوله وهو
يجيزه حَقيقَة أو يزعمه ولو قيل إن المقصود لبيان اشْتقَاق إليه منكرًا لكونه أصلهما يرد عليه
أنه لا يلائمه أكثر العبارة الآتية إلا بالتكلفات الباردة وهذا الأخير هُوَ الْمُخْتَار الأثير
والكَشَّاف أكثر كلامه هنا ناظر إليه فيلزم التكلفات البعيدة وقد قيل أَيْضًا في دفعه لا يبعد أن
يكون ملحوظ واضع اللغة في وضع إليه للمعبود اطمئنان الْقُلُوب بذكر المعبود الحق لما
مر من الحصر تم استعمل في الآلهة الباطلة بعد عبادتها عَلَى زعمهم أو لاعتراف الكل به
كما مَرَّ من أن الكفرة وإن أثبتوا شركاء معترفون بأنه تَعَالَى إله الآلهة وأعظمها انتهى. وفيه
ما لا يخفى؛ إذ الْكَلَام في إطلاق الإله بهذا الاشْتقَاق عَلَى المعبودات الباطلة ولا يفيد في
دفع الإشكال الْمَذْكُور اعترافهم المزبور والوجه الأول من أنه لا يبعد أن يكون ملحوظ
واضع اللغة هُوَ المعول عليه، وأما قوله أو لاعترافه فيَنْبَغي أن لا يتعرض له وبهذا الوجه
يندفع الإشكال عن جميع الاحتمالات.
قوله: (أو من إله) بكسر اللام أيضًا (إذا فزع من أمر) أي لأجل أمر (نزل عليه) فمن
تعليلية كقَوْله تَعَالَى: (ممَّا خَطيئَاتهمْ أُغْرقُوا) ، وفزع بمعنى التجأ واستغاث
بقرينة؛ إذ العائذ يفزع لبه ولو قال أو إله مُشْتَق من إله إذا فزع إليه من أمر الح، لكان أصرح
في البيان فحِينَئِذٍ يكون إله فعال بمعنى مَفْعُول أي مفزوع إليه ففيه حذف وإيصال وهذا من
جملة أسباب الضعف.
قوله: (وآلهه) بالهمزة الممدودة ماض من الأفعال أصله أألهه فصار بقلب الهمزة ألفًا
آلهه فالهمزة للسلب؛ إذ لمعنى خلصه عَمَّا يخافه وأزاله عنه قيل لم يرد المصنف بقوله(وآلهة
غيره)بيان مبدأ آخر للاشْتقَاق وإلا لقال أو من آلهه كما في أخواته كَيْفَ ولا يصور اشْتقَاق
الإله من آلهه بل لكونه مزيدا مشتقا من إله بالكسر أو من الإله إلا أنه لازم لهما وبهذا
الاعتبار يمكن الْقَوْل بأخذ الإله من إله كما يقال الوجه من الْمُوَاجَهَة باعْتبَار أنها لازمة له
فالمقصود أن تحقق العلاقة بين الإله وبين إله بالكسر مستلزم لتحقق العلاقة بينه وبين لازمه
فكأنه مُشْتَق من مجموع إله بمعنى فزع وآلهه بمعنى (أجاره) ولذلك جمع بَيْنَهُمَا في بيان
وجه الاشْتقَاق أيضًا فقال (إذ العائذ يفزع إليه) إذ الأول ناظر إلَى معنى إله بالكسر
والثاني ناظر إلَى إلهه فالإله مفزوع إليه ومجير انتهى. فيكون الإله عَلَى الوجه الأخير فعالًا
من الأفعال بمعنى المفعل لكنه لا ضير فيه لأن العرض بيان كثرة مجيء مادته في معنى
الفزع وما يتبعه عنه لا بيان الاشْتقَاق كما عرفت.