سبحانك ما عرفناك حق معرفتك وهذا التحير عين المعرفة كما قيل العجز عن درك الإدراك
إدراك ونسبه بعضهم إلَى الصدّيق الأكبر - رضي الله تَعَالَى عنه - فهذا التحير الناشئ من
المعرفة تحير الكاملين المكملين ونسبة التحير إلَى العقول مجاز لكونها منشأ له وهذا التحير
غير التحير الذي هُوَ معنى وله كما ستطلع عليه والتحير الْمَذْكُور لكونه سببًا للعبادة قدمه
على ما بعده لمناسبته لما قبله.
قوله: (أو من آلهت إلَى فلان) أي. وقيل اشتقاته من آلهت إلَى فلان (أي سكنت إليه)
سكن بمعنى استأنس وعدم الاضطراب، وأما سكن فيه فلا يناسب هنا ولهذا قال سكنت إليه
احترازا عن سكت فيه.
قوله: (لأن الْقُلُوب تطمئن بذكره تَعَالَى) أي علة لكون الإله مشتقًا من آلهت إلَى
فلان وقد عرفت أن الْكَلَام في الاشْتقَاق الصغير وهذا لا يفيده فلا بد من التزام أحد
الأمرين إما تعميم الاشْتقَاق إلَى الصغير والكبير أو تعميم الْمَعْنَى المعتبر في الاشْتقَاق
الصغير إلَى الْمَعْنَى المطابقي والالتزامي وكلاهما خلاف الظَّاهر ولهذا مرضه أَيْضًا ومعنى
الاطمئنان الأنس به والاعتماد عليه والرجاء منه أو بذكر رحنته بعد القلق من خشيته أو
بذكر دلائله الدَّالَّة عَلَى وجوده ووحدانيته أو بكلامه أي الْقُرْآن الذي هُوَ أقوى المعجزات
كذا قاله المصنف في سورة الرعد. والْمَعْنَى الأول هُوَ الْمُنَاسب هنا كما يؤيده قوله في سورة
الفجر النفس المطمئنة هي التي اطمأنت بذكر الله فإن النفس تترقى في سلسلة الْأَسْباب
والمسببات إلَى الواجب لذاته وتستقر دون معرفته وتستغي به عن غيره انتهى. فالمراد
بذكر الله معرفته كما أشار إليه بقوله (والأرواح تسكن إلَى معرفته تَعَالَى) أي من الاضطراب
الحاصل من الترقي في سلسلة الْأَسْباب والمسببات بمعرفته واطمئنان النفس والقلب مجاز
كما في الأساس إلا أنه شاع حتى صار ملحقًا بالْحَقيقَة في استقرارها بزوال القلق
والاضطراب فلو قال لأن الْقُلُوب لا تطمئن إلا بذكره والأرواح إلا تسكن إلا بمعرفته إشَارَة
إلى الحصر كما في قوله: (ألا بذكر الله تطمئن الْقُلُوب) ، لكان أولى والقصر
المُسْتَفَاد من تقديم المسند إليه عَلَى الخبر الفعلي لا يفيد الحصر المطلوب هنا ثم المراد
بالقلب هنا الروح وجملة والأرواح الخ. تفسير لما قبلها عَلَى سبيل الترتيب الأرواح ناظرة
إلى الْقُلُوب والكون إلَى الاطمئنان والمعرفة إلَى الذكر وهذا ترتيب أنيق وسبك رشيق قيل
ثم إن جريان هذين الوَجْهَيْن في المعبودات الباطلة باعْتبَار إن عبدتهم تحير فيها عقولهم
القاصرة وسكن إليها قلوبهم القاسية انتهى. وهذا إنما يحتاج إليه إذا كان المقصود بيان
اشْتقَاق إليه منكرًا كما اختاره البعض أو اشْتقَاق الإله معرفًا بلا اعتبار الغلبة، وأما إذا كان
الْمُرَاد بيان اشْتقَاق لفظة الله كما هُوَ الظَّاهر وهو مختار مَوْلَانَا [مُلَّا خُسْرُو] فلا يحتاج إلَى