ذكر لقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ (كل أمر ذي بال) أي ذي شرف لا يلام متعاطيه ولا يذم من يرومه
البال الحال والشأن وأمر ذي بال أي شرف يعتني به، والْمُرَاد كما مَرَّ مأذون التناول شرعًا
فيحترز به عن الأمر الممنوع تعاطيه شرعًا لا الأمر الحقير الذي يباح تناوله وقد يطلق البال
أَيْضًا عَلَى القلب بناء عَلَى أن الأمر كأنه ملك قلب طالبه لاشتماله به كما قيل في تفسير قوله
تَعَالَى: (إنه عليم بذات الصدور) . وقيل شبه الأمر بذي قلب عَلَى الاسْتعَارَة
المكنية فإثبات القلب له تخييلية، ولما كانت الاسْتعَارَة أبلغ كان هذا الوجه أرجح.
قوله: (لم يبدأ فيه باسم الله) صفة أخرى للأمر عدم البدء فيه بالْبَسْمَلَة بالترك عمدًا
وأما الترك نسيانا فمعفو كما قرره في تسمية الذابح مع أنه لا تحل الذبيحة بدونها فغيره أولى
بذلك العفو والحدث الشريف عَلَى ما رواه الخطيب في جامعه كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه
ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر نقله علي القاري في أوائل شرح المشكاة وهذا يدل عَلَى
تمام المدعي وما نقله المصنف لا يدل عَلَى تمامه مع أن البعض قال لم نجد هذا اللَّفْظ بعينه
فكأنه نقل بالْمَعْنَى انتهى. النقل بالْمَعْنَى جوزه الشرع إذا لم يحفظ لفظه المنيف الصادر من
معدن الفصح التعريف، وأما إذا أحفظ فلا معنى لتبديل ما صدر من منبع البلاغة بما لا قدر له
في جنبه أصلًا والمص اقتفى في ذلك بجار الله العلامة لكنه لم يصب.
قوله: (فهو أبتر) أي ناقص الآخر ومقطوع الذنب ولذا قيل لمن لا عقب له أبتر وفيه
تنبيه عَلَى أن نقصان الأول يسري إلَى الآخر بل هُوَ كناية عن نقصان الأمر بتمامه؛ إذ نقصان
الآخر يستلزم نقصان الأمر كله، وإنما فسر بناقص الآخر مراعاة لأصل وضعه لأنه في الأصل
مقطوع الذنب كما أفصح به كلام الْجَوْهَريّ واعلم أن تصدير الْفعْل باسم الله تَعَالَى لا يكون
إلا بذكر اسمه ويقع عَلَى وَجْهَيْن أحدهما أن يذكر اسم خاص من أسمائه كلفظة الله مثلًا
والثاني أن يذكر لفظ دال عَلَى اسمه كما في التَّسْميَة فإن لفظ اسم مضافًا إلَى الله تَعَالَى يراد به
اسمه لكن لا بخصوصه بل بلفظ دال عليه مُطْلَقًا فيستفاد أن التبرك والاستعانة بجميع أسمائه
وأما الباء فهي وسيلة إلَى ذكره عَلَى وجه يؤذن بجعله مبتدأ فهي من تتمة ذكره عَلَى الوجه
المطلوب كذا نقل عن السيد قدس سره في دفع الإشكال بأن الابتداء بالباء ولفظ اسم وليس
شيء منهما من أسماء اللَّه تَعَالَى، ولك أن تقول: إن الْمُرَاد بالابتداء الابتداء العرفي لا الحقيقي
لأنه غير منقسم فلا يمكن أن يراد هنا فلا إشكال بالنظر إلَى الابتداء العرفي ولا حاجة إلَى
تطويل الْجَوَاب ولما أريد بالْحَديث الشريف رجحان الآلة لدلالته عَلَى عدم التمام بدونها
التزاما بخلاف المصاحبة فإنها لا دلالة لها عَلَى ذلك مرضها فقال (وقيل الباء للمصاحبة)
فيكون ظرفًا مستقرًّا عند الْجُمْهُور كما أشار إليه بقوله (والْمَعْنَى متبركًا باسم الله أقرأ) أَشَارَ إلَى