صالحون وشهداء وصدِّيقون، لا من حيث إنهم صحابة؛ لأنه لم يتشبه بهم في نفس الصُّحبة، وبذلك يتضح لك أن من تشبه بقوم في خصلة من خصالهم دون خصلة: أنه لا يكون منهم من كل وجه، وإنما يكون منهم من حيث الخصلة التي شاركهم فيها.
وتارة لا يكون المتشبه بقوم منهم حقيقة، وإنما يكون منهم بمعنى معهم، أو من أوليائهم، كما في الحديث:"مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِيْ فَلَيْسَ مِنِّيْ"؛ أي؛ من أوليائي.
وفي الحديث أيضًا:"سَلْمانُ مِنَّا آلَ الْبَيْتِ"؛ أي: من أوليائنا. وكذلك قول طالوت: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} [سورة البقرة: 249] .
فالمتشبه بالأنبياء منهم بمعنى أنه يحشر معهم، أو يكون من أوليائهم، لا على معنى أنه منهم حقيقة فيكون نبيًا؛ فإن النبوة موهبة لا تدخل تحت الاختيار، ولأنها الآن خُتمت بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
أو نقول: المتشبه بالأنبياء عليهم السلام إنما يتشبه بهم في الأعمال والأخلاق، فهو منهم من حيث إنهم صالحون وصديقون ومتقون ومحسنون إلى نحو ذلك، لا من حيث إنهم أنبياء.
وكذلك المتشبه بالملائكة عليهم السلام فهو منهم؛ أي: في منزلتهم، أو من أوليائهم؛ لأن الملائكة يتولَّون أمر المؤمنين المستقيمين في الدنيا والآخرة بنص القرآن، والمتشبه بالملائكة ملحق بهم في التجرُّد عن الشهوة، أو في الأمن من غوائلها، أو في القربة من الله تعالى، أو نحو ذلك.
فلما كانت النبوة والصحبة والملكية مما لا يمكن الإنسان التوصل إليه مطلقًا في الملكية، وفي هذه الأزمنة في النبوة، والصحبة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - انقطعت بانتقاله إلى الدار الآخرة، لم يحرم الله الإنسان من الحشر مع هؤلاء، واللحاق بهم، فجعل التشبه بهم طريقًا لإلحاقهم بهم، وحشرهم معهم: {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} [سورة البقرة: 265] .