وروى أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسن بن جهضم الهمداني في"بهجة الأسرار"عن محمَّد بن حسان قال: شهدت فُضيل بن عِياض رحمه الله تعالى وجلس إليه سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى فتكلم الفضيل بكلام، وقال فيما تكلم: كنتم معشرَ العلماء سُرُجَ البلاد يُستضاء بكم، فصرتم ظلمة، وكنتم نجوماً يهتدى بكم، فصرتم حيرة، ثم لا يستحيي أحدكم يأخذ من مال هؤلاء، وقد علم من أين هو حتى يسند ظهره ويقول: حدثني فلان عن فلان، وحدثنا فلان عن فلان، فرفع سفيان رأسه - وكان مطأطئًا - فقال: هاه هاه! والله لئن كنا لسنا بصالحين فإنا نحب الصالحين، قال: وسكت الفضيل، فطلب إليه سفيان، فحدثنا بثلاثين حديثاً.
فتأمل! فإن الفضيل لم ينكر على ابن عيينة تعلقه بمحبة الصالحين على فرض أنه لم يكن منهم، ولقد قيل: من الوافر
أُجِلُّ الصَّالِحِيْنَ وَلَسْتُ مِنْهُمْ ... لَعَلِّيْ أَنْ أَنَالَ بِهِمْ شَفَاعَةْ
وَأَكْرَهُ مَنْ بِضَاعَتُهُ الْمَعَاصِي ... وإنْ يَكُ لِيْ شَرِيْكا فِيْ الْبِضَاعَةْ
وحدثني شيخنا الإِمام العلامة محب الدين الحنفي - فسح الله في مدته: أن شيخه العلامة العارف بالله سيدي أبا الوفاء ابن الشيخ العارف بالله سيدي علوان الحموي رضي الله تعالى عنهما كان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت: من الكامل
إِنْ لَمْ تَكُوْنُوْا مِثْلَهُمْ فَتَشَبَّهُوْا ... إِنَّ التَّشَبهَ بِالْكِرَامِ فَلاحُ
وهذا البيت من قصيدة مشهورة للسُّهروردي المقتول بحلب المعروف بالشاب الظريف، وهي: من الكامل
أَبَداً تَحِنُّ إِلَيْكُمُ الأَرْوَاحُ ... وَوِصَالُكُمْ رَيْحَانها وَالرَّاحُ
وَقُلُوْبُ أَهْلِ وِدَادِكُمْ تَشْتَاقُكُمْ ... وَإِلَىْ لَذِيْذِ لِقَاكُمُ تَرْتَاحُ
وَارَحْمَتَا لِلْعَاشِقِيْنَ تَكَلَّفُوْا ... سُنَنَ الْمَحَبَّةِ وَالْهَوَىْ فَضَّاحُ
بِالسِّرِّ إِنْ بَاحُوْا تُبَاحُ دِمُاؤُهُمْ ... وَكَذَا دِمَاءُ الْبَائِحِيْنَ تُبَاحُ
فَإِذَا هُمُ كَتَمُوْا تَحَدَّثَ عَنْهُمُ ... عِنْدَ الْوُشَاةِ الْمَدْمَعُ السَّحَّاحُ
وَكَذَا شَوَاهِدُ لِلسِّقَامِ عَلَيْهِمُ ... فِيْهَا لِمُشْكِلِ أَمْرِهِمْ إِيْضَاحُ