{ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً. وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ، رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً. فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ، ثم جاءوك ، يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً. أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم. فأعرض عنهم ، وعظهم ، وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً. وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله. ولو أنهم - إذ ظلموا أنفسهم - جاءوك ، فاستغفروا الله ، واستغفر لهم الرسول ، لوجدوا الله تواباً رحيماً.. فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم. ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ؛ ويسلموا تسليماً} ..
إن هذا التصوير لهذه المجموعة التي تصفها النصوص ، يوحي بأن هذا كان في أوائل العهد بالهجرة. يوم كان للنفاق صولة ؛ وكان لليهود - الذين يتبادلون التعاون مع المنافقين - قوة..
وهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير شريعة الله - إلى الطاغوت - قد يكونون جماعة من المنافقين - كما صرح بوصفهم في الآية الثانية من هذه المجموعة - وقد يكونون جماعة من اليهود الذين كانوا يُدعَوْن - حين تجدّ لهم أقضية مع بعضهم البعض أو أهل المدينة - إلى التحاكم إلى كتاب الله فيها.. التوراة أحياناً ، وإلى حكم الرسول أحيانا - كما وقع في بعض الأقضية - فيرفضون ويتحاكمون إلى العرف الجاهلي الذي كان سائداً.. ولكننا نرجح الفرض الأول لقوله فيهم: {يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} .. واليهود لم يكونوا يسلمون أو يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول. إنما كان المنافقون هم الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله (كما هو مقتضى العقيدة الإسلامية من الإيمان بالرسل كلهم) .