فتغيّر وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اسق يا زبير حتّى يبلغ الماء الجَدْرَ ثم أرسل إلى جارك واستَوْف حقَّك (والجدَر هو ما يدار بالنخل من التراب كالجِدار) فكان قضاؤه الأوّل صلحاً، وكان قضاؤه الثاني أخذاً بالحقّ، وكأنَّ هذا الأنصاري ظمّ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أراد الصلح بينهم على وجه فيه توفير لحقّ الزبير جبراً لخاطره، ولم ير في ذلك ما ينافي العصمة، فقد كان الصحابة متفاوتين في العلم بحقائق صفات الرسول مدفوعين في سبر النفوس بما اعتادوه من الأميال والمصانعات، فنّبههم الله تعالى على أنّ ذلك يجرّ إلى الطعن في العصمة.
وليس هذا الأنصاري بمنافق ولا شاكّ في الرسول، فإنّهم وصفوه بالأنصاري وهو وصف لخيرة من المؤمنين، وما وصفوه بالمنافق، ولكنّه جهل وغفل فعفا عنه رسول الله ولم يستتبه.
وهذه القضية ترجع إلى النظر في التكفير بلازم القول والفعل، وفيها تفصيل حسن لابن رشد في البيان والتحصيل في كتاب"الجنائز"وكتاب"المرتدّين".
خلاصته: أنّهُ لا بدّ من تنبيه من يصدر منه مثل هذا على ما يلزم قولَه من لازم الكُفر فإن التزمه ولم يرجع عُدَّ كافراً، لأنّ المرء قد يغفل عن دلالة الالتزام، ويؤخذ هذا على هذا الوجه في سبب النزول من أسلوب الآية لقوله: {لا يؤمنون} إلى قوله {تسليماً} فنبّه الأنصاري بأنّه قد التبس بحالة تنافي الإيمان في خفاء إن استمرّ عليها بعد التنبيه على عاقبتها لم يكن مؤمناً.
والأنصاري، قيل: هو غير معروف، وحبّذا إخفاؤه، وقيل: هو ثعلبة بن حاطب، ووقع في"الكشاف"أنه حَاطب بن أبي بلتعة، وهو سهو من مؤلِفه، وقيل: ثابت بن قيس بن شمَّاس، وعلى هذه الرواية في سبب النزول يكون معنى قوله: {لا يؤمنون} أنّه لا يستمرّ إيمانهم.
والظاهر عندي أنّ الحادثتين وقعتا في زمن متقارب ونزلت الآية في شأن حادثة بشر المُنَافق فظنّها الزبير نزلت في حادثته مع الأنصاري. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 176 - 179}