وذكر عبيد الله بن عائشة، قال: كان شبيب ابن شيبة رجلاً متربعاً وكان يفرغ أهل البصرة إليه في حوائجهم، فكان يغدو عن كل يوم فإذا أراد الكوب، دعا من الطعام بشيء عرفه، فنال منه.
ثم يركن في حوائج الناس.
فقيل له: إنك لتباكر الغداء.
قال: أجل، أطفئ فورة جوعي، وأقطع به خلوف فمي، وأبلغ قضاء حوائجي، فإني وجدت خلاء الجوف وشهوة الطعام تقطع الحكم عن بلوغ حاجته.
(فصل)
والقاضي في جلوسه بالخيار إن شاء أن يخرج بالغداة إذا طلعت الشمس، فيجلس.
فإن كان جاء من له حاجة عنده تقدم، ثم كذلك كلما جاء صاحب تقدم، فلا يزدحم الناس على بابه، فعل.
وإن شاء أقام في بيته يتأهب ويستعد بمطالعة بعض الكتب أو بالاجتهاد والتأمل إلى أن يجمع الخصوم ثم يخرج، فعل.
وإذا خرج، فإن كان هناك قوم سلم على جميعهم.
وإن كان مجلسه في مسجد فدخله سلم ثم لم يجلس حتى يصلي ركعتين فإذا سلم سأل الله التسديد والتوفيق والعصمة، واستعاذ به من الميل والحيف وسوء الفهم والجهل والنسيان والكسل، وحرم على العدل والرفق تحسين الخلق والصبر ثم جلس مجلسه، وليبدأ عمله، وينبغي للحاكم أن يكون عنده من يحفظ نوب الناس، فيقدم الأول فالأول ويجلسهم مجالسهم، وإذا اشتد على خصم إحضار خصم أنفذ من يحضره، ويكون الحاكم قد أطلق له ذلك كله، وإن تحضره جماعة إن احتاج إلى إنقاذ وأخذ في حاجة أو شغل أنفذ أحدهم، ويكونون تقاة مرضيين، روي أنه - صلى الله عليه وسلّم - كان معه عشرون شاباً من الأنصار يلزمونه بحوائجه وإذا أراد أمراً بعثهم فيه.
وإن كان الحاكم مع علمه متبلداً يحتاج إلى من يعينه، فينبغي أن يحضر مجلسه جماعة من أهل العلم واحد أو أكثر حتى يعينوه بالأمر، أمده جليسه، وإن كان نافذاً في الأمر فحسن أن يحضر مجلسه جماعة من أهل العلم يشاورهم فيما يحتمل وجهين فأكثر.
وإذا كان لا يفتي بالحكم فليفرد ولا يحضر أحداً، ثم ليدع في غير مجلس الحكم من يشاوره ويستعين برأيه.
وإذا شاور في مجلس الحكم، فلا يشاور في مظلمة الخصمين بمشهدهما لئلا يقفا على ما يجري فلا يجد واحد منهما في بعض ما يسمع عليه فيلجأ إليها في مدافعة خصمه.
قال عبد الرحمن بن سعيد: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه جالساً في المسجد فإذا جاءه خصمان، قال لهذا: ادع علياً، وقال للآخر ادع طلحة والزبير ونفراً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلّم - .