ومن الأصل في هذا الباب ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إذا نعس أحدكم في صلاته فلينصرف، فليقم، فإنه لا يدري لعله يستغفر فيثيب نفسه» فعلى هذا إذا نعس الحاكم في مجلس حكمه لم يأمن أن يسمع من أحد الخصمين أو الشهود شيئاً فيراه غيره أو يرد الحكم بشيء ، فيقول غيره.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «ليصلين أحدكم وهو ريان، ولا يصلين أحدكم وهو يدافع الأجنبين» وما ذلك إلا لأن رأيه لا يكل في مثل هذه الحال، فلا يمكنه أن يوفي الصلاة حقها من الخشوع، كذلك رأي القاضي لا يكل في مثلها ولا يتسع للاجتهاد، ولا يسلم نظره سلامة تسكن القلب الدهاء وتقع الثقة بها.
فلا ينبغي له أن يقضي عندها.
وجاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «غزا نبي من الأنبياء - صلى الله عليه وسلّم - بأصحابه فقال: لا يتبعني رجل بنى داراً لم يسكنها أو تزوج امرأة لم يبن بها، أو له حاجة في رجوعه» .
فتأول العلماء ذلك على أنه أراد أن يكون لقاؤه العدو بأصحابه، لا يشغل في قلوبهم بعطفهم عن قتال أعدائهم.
وينبغي للحاكم أن لا يطيل الجلوس إذا كان ذلك يمله، ويجلس للخصوم ساعات من النهار ومن ثم يقوم أو يجلس لهم طرفي النهار أو يكون معه في مجلسه من أهل العلم من يخلفهم ويذاكرهم وقتاً، فيستأنس بذلك، ثم يشتغل بالنظر في المظالم وقتاً، وكل ذلك قد فعله الناس، وقال رحمه الله - سألني صاحب السوق في شغله بأمور الناس وقضائه بينهم، فقال: إني ما أكاد أفرغ.
فقلت له: ما ذلك عليك، ليعقد للناس من النهار، فإني أخاف عليك أن تكثر فتخطئ.
وقال مالك: كان أبو خالد الأنصاري قاضياً، وكان يجلس مع ربيعة في أناس من أهل العلم فيأتيه الخصوم، فيختصمون إليه، فيقولون له: أدنيتنا خصماءك هؤلاء فيقول: دعوني أتحدث معكم، فإذا جاءني الخصوم حولت وجهي إليهم.
قال: إذا جاءه الخصم وهو في المجلس حول وجهه عنهم حتى يفرغ.
قال مالك: ومن كان في المجلس يؤمئذ ومن حوله كان يرفع لمن يجلس فيه.
قال مالك: وكان الناس يؤمئذ أيسر شأناً.
وقال الضحاك بن عثمان، إن أبا بكر بن محمد كلمه والي المدينة في شيء فأغضبه فلم يقعد للناس شهراً.
فأرسل إليه والي المدينة: ما يمنعك من الجلوس للناس؟ فأرسل إليه: أردت أن يذهب ما بي من الغضب.