إذن فالعدل هو علاج للغفلة التي تصيب البشر من الأغيار التي تطرأ على نفوسهم ، فشاء الله أن يقول: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} ، في الأولى لم يقل: إذا أئمنتم فأدوا ، لا. بل قال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ} . فإذا حدثت منكم غفلة عن هذه فما الذي يحمي هذه المسألة ؟ هنا يأتي العدل وهو أن تقضي بحق في ذمة غيرك لغيره ، أي ليس في ذمتك أنت ؛ لأنك تحكم كي ترجح مسألة وتضع الأمر في نصابه.
وبذلك نعرف أن مطلوبات أداء الأمانة تكون في شيء عندك تؤدية لغيرك ، لكن مطلوبات العدل: تكون في أشياء في ذمة غيرك لغيرك. ولذلك قال الحق: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} ، وكما أن آية أداء الأمانة عامة ، كان لا بد أن تكون آية العدل عامة أيضاً.
إن قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} ليست خاصة للحاكم فقط ، بل إنّ كل إنسان مطالب بالعدل ، فلو كنت مُحَكَّماً من طرف قوم ورضوا بك أن تحكم فاحكم بالعدل حتى ولو كان الحكم في الأمور التي يتعلق بها التكريم والشرف والموهبة ؛ فليس ضرورياً أن يكون الحكم بالعدل في أمر له قيمة مادية ، مثلاً: سيدنا الإمام علي - رضوان الله عليه وكرم الله وجهه - يرى غلامين يتحاكمان إلى ابنه الحسن ؛ ليحكم بينهما أي الخطين أجمل من الآخر ، وهذه المسألة قد ينظر لها الناس على أنها مسألة تافهة لكنها ما دامت شغلت الطفلين وأراد كل واحد منهما أن يكون خطه أجمل ، فلا بد أن يكون الحكم بالعدل. فقال الإمام على لابنه الحسن: يا بني انظر كيف تقضي ، فإن هذا حكم والله سائلك عنه يوم القيامة.