وقال السيوطيّ في"الإكليل": في هذه الآية وجوب رد كل أمانة من وديعة وقراض وقرض وغير ذلك ، واستدل المالكية ، بعموم الآية ، على أن الحربي إذا دخل دارنا بأمان فأودع وديعة ثم مات أو قتل ، إنه يجب رد وديعته إلى أهله ، وأن المسلم إذا استدان من الحربي بدار الحرب ثم خرج ، يجب وفاؤه ، وأن الأسير إذا ائتمنه الحربي على شيء لا يجوز له أن يخونه ، وعلى أن من أودع مالاً وكان المودع خانه قبل ذلك ، فليس له أن يجحده كما جحده ، ويوافق هذه المسألة حديث: ( أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ) .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ، في هذه الآية قال: مبهمة للبر والفاجر ، يعني عامة .
وقد أخرج ابن جرير وغيره أنها نزلت في شأن مفتاح الكعبة ، لما أخذه النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم من عثمان بن طلحة ، واختار ما رواه عليّ وغيره أنها خطاب لولاة المسلمين ، أمروا بأداء الأمانة لمن ولوا عليهم ، فيستدل بالآية على أن على الحكام والأئمة ونظار الأوقاف أداء الحقوق المتعلقة بذممهم من توليه المناصب وغيرها إلى من يستحقها ، كما أن قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} أمرٌ لهم بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها ، وحيث كان المأمور بِهِ هُنا بههنا مختصاً بوقت المرافعة ، قيد به ، بخلاف المأمور به أولاً ، فإنه لما لم يتعلق بوقت دون وقت أطلق إطلاقاً ، وأصل العدل هو المساواة في الأشياء ، فكل ما خرج من الظلم والاعتداء سمي عدلاً .
روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم: ( إن الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَن يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ ) .