(الثَّامِنَ عَشَرَ) :"الْعَدْلُ"مَصْدَرُ عَدَلَ يَعْدِلُ عَدْلا؛ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ. فَإِنَّ الْعَدْلَ قَدْ يَكُونُ قَوْلا غَيْرَ حُكْمٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} وَقَالَ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} فَالإِقْرَارُ بِالْحَقِّ عَدْلٌ وَلَيْسَ بِحُكْمٍ، وَالْحُكْمُ قَدْ يَكُونُ عَدْلا وَقَدْ يَكُونُ جَوْرًا. (التَّاسِعَ عَشَرَ) الْبَاءُ فِي"بِالْعَدْلِ"لِلاسْتِعَانَةِ وَقَدْ يُقَالُ: الاسْتِعَانَةُ أَوْ السَّبَبِيَّةُ إنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى شَيْءٍ مُغَايِرٍ لِلْفِعْلِ يُسْتَعَانُ عَلَيْهِ بِهِ أَوْ يَكُونُ سَبَبًا فِيهِ؟ وَالْحُكْمُ لَيْسَ خَارِجًا مِنْ الْعَدْلِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْعَدْلُ سَبَبًا أَوْ مُسْتَعَانًا بِهِ فِيهِ؟ وَالْجَوَابُ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ نَقُولَ: لَمَّا كَانَ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ عَدْلٌ نَوْعًا مِنْ الْحُكْمِ وَالنَّوْعُ أَخُصُّ مِنْ الْجِنْسِ وَالأَخَصُّ غَيْرُ الأَعَمِّ جَازَ أَنْ يُجْعَلَ سَبَبًا فِي حُصُولِ الأَعَمِّ أَوْ مُسْتَعَانًا بِهِ عَلَيْهِ؛ كَقَوْلِك: تَحَرَّكْت بِالْقِيَامِ. وَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ الْعَدْلُ قَدْ نُقِلَ عَنْ الْمَصْدَرِ إلَى الْمُفْضِي بِهِ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ"الْقَوْلُ""وَالْكَلامُ""وَاللَّفْظُ"وَمَا أَشْبَهَهَا تَارَةً وَيُرَادُ بِهَا نَفْسُ اللَّفْظِ وَهُوَ الْمَصْدَرُ، وَتَارَةً يُرَادُ بِهَا الْمَلْفُوظُ بِهِ فَلا يَكُونُ مَصْدَرًا وَحِينَئِذٍ تَدْخُلُ الْبَاءُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِك: تَكَلَّمْت بِكَلامٍ. وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا} .
(الْعِشْرُونَ) : قَوْله تَعَالَى {إنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} هِيَ نِعْمَ"وَ"مَا"أُدْغِمَتْ إحْدَى الْمِيمَيْنِ فِي الأُخْرَى وَالْتُزِمَ كَسْرُ الْعَيْنِ لأَجْلِ ذَلِكَ. انتهى انتهى. {فتاوى السبكي حـ 1 صـ 42 - 50} "