(الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ) : مُقْتَضَى الآيَةِ إذَا حَمَلْنَا الأَمْرَ عَلَى الْوُجُوبِ أَنْ يَجِبَ أَدَاءُ الأَمَانَاتِ، وَالْفُقَهَاءُ قَالُوا: إنَّ الْوَاجِبَ فِي الْوَدِيعَةِ التَّمْكِينُ لا التَّسْلِيمُ؛ فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالأَدَاءِ الْقِيَامُ بِمَا يَجِبُ مِنْ أَمْرِهَا، وَذَلِكَ فِي الْوَدِيعَةِ حَاصِلٌ بِالتَّمْكِينِ وَالتَّخْلِيَةِ وَأَنْ لا يَجْحَدَهَا وَلا يَخُونَ فِيهَا وَلا يُفَرِّطَ، لَكِنَّ اسْتِعْمَالَ الأَدَاءِ فِي ذَلِكَ مَجَازٌ. وَأَمَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى جَوَابٍ آخَرَ، وَالأَقْرَبُ الأَوَّلُ. فَإِنَّ الأَمَانَاتِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا غُسْلُ الْجَنَابَةِ، وَالْوُضُوءُ وَغَيْرُ ذَلِكَ. فَلَوْ حَمَلْنَا الأَدَاءَ عَلَى الرَّدِّ لَمْ يَطَّرِدْ فِي جَمِيعِ مَوَاضِعِهَا، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ الْقِيَامِ بِوَاجِبِهَا وَذَلِكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ.
(الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ) : مُقْتَضَى الآيَةِ الأَمْرُ بِذَلِكَ سَوَاءٌ أَطَالَبَ بِهَا صَاحِبُهَا أَمْ لا، لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ لَمْ يُطْلِقُوا ذَلِكَ. وَمُقْتَضَى كَلامِهِمْ أَنَّهُ لا يَجِبُ إلا عِنْدَ الطَّلَبِ وَاخْتَلَفُوا فِي الدَّيْنِ هَلْ يَجِبُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ الطَّلَبِ أَمْ لا؟ وَإِذَا كَانَتْ الآيَةُ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ فِي الأَمَانَةِ قَبْلَ الطَّلَبِ فَفِي الدَّيْنِ أَوْلَى فَيَحْسُنُ فِي الآيَةِ أَنْ تُجْعَلَ دَلِيلا لأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، الْقَائِلُ بِوُجُوبِ أَدَاءِ الدَّيْنِ الْحَالِّ قَبْلَ طَلَبِهِ إلا أَنْ يَرْضَى صَاحِبُهُ بِتَأْخِيرِهِ، هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ سَبَبُهُ مَعْصِيَةً فَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةً وَجَبَ.