فهرس الكتاب

الصفحة 988 من 2255

2-تقسيم العلم إلى نوعين فكري ومادي، أي حقائق فكرية وحقائق مادية هو ابتعاد عن أغلب التقسيمات التي نجدها في الكتب، والتي أرى أن أغلبها ساهم في خلط الأوراق وضياع الحقائق الفكرية من أول الطريق ، حيث ناقش الموضوع من خلال عناوين مثل الفلسفة والدين أو العقل والدين أو الدين والعلم أو العلوم الدينوية والعلوم الآخروية أو الأمور الحسية والأمور الغيبية أو أهل الكنيسة وأهل العلم أو قضايا الإيمان وقضايا العقل أو العلم والإيمان ... الخ في حين أنني ناقشت الموضوع من حيث ما هي الحقائق الفكرية أي العلم الفكري وكيف نصل إليه؟ فالقضية هي ما هو العلم"الحقائق الفكرية"وما هو الجهل"الأوهام والظنون الخاطئة"وأي تصنيف غير ذلك سيؤدي إلى الضياع والحيرة فالحقيقة هي المقبولة سواء كانت دنيوية أو غيبية أو عقلية أو فلسفية ... الخ وما هو ليس بحقيقة ليس مقبولًا .

3-لا شك أن العقل هو وسيلتنا للوصول للحقائق الفكرية ، فلا يتم قبول شيء بدون دليل عقلي واضح ، وسنضع كل المبادئ الرئيسة في ميزان عقلي عادل وموضوعي ، وسنقارن في أصولها وجذورها وحقها من الأدلة العقلية ، ويكون بحثنا في الأساس نظريًا حتى نبتعد عن التطبيقات الصحيحة أو الخاطئة في الواقع البشري لأي فكر ، وسنبتعد عن التأثر بالقوة فالميزان هو العقل ، وليس ما تقوله دولة عظمى أو صغرى ، وسنبتعد كذلك عن التأثر بالبيئات وبالمعلومات الخاطئة والتجارب الشخصية ، فسنأخذ ما يقول أهل المبادئ عن مبادئهم لا ما يقوله خصومهم ، وسنبتعد عن الماضي والتاريخ وإذا نجحنا إن شاء الله في ذلك سنكون ابتعدنا كثيرًا عن ظنون وشبهات ومعلومات خاطئة تؤدي إلى الضياع .

4-تقسيم الحقائق إلى مادية وفكرية ، والعلم إلى علم مادي وعلم فكري من شأنه أن يسهل علينا الاقتناع بان التطور في مجال العلم المادي لا يعني بالضرورة التقدم في العلم الفكري ، فالبعض يربط بين الموضوعين ، وهذا يعني أن تقدم الدول الغربية في العلوم المادية لا يعني أنها بالضرورة متقدمة في العلوم الفكرية ، فقد تكون كذلك أولا ، وهذا يفسر أيضًا

التقدم المادي التكنولوجي الأمريكي والياباني مع اختلافاتهما الفكرية الكبيرة ، كما أن العكس صحيح أيضًا ، وقد نجد دولًا متخلفة في المجالين معا ، كما أن الاختلاف بين العلم المادي والعلم الفكري يجعلنا نفهم أن معارضة بعض علماء الدين المسيحيين أو المسلمين أو غيرهم لحقائق مادية هو في أساسه تدخل في مجال غير مجالهم ، وهناك استثناءات سنتكلم عنها إن شاء الله تعالى في موضوع آخر ، كما أن تكلم أهل العلم المادي وخاصة العلماء منهم في القضايا الفكرية هو تكلم في مجال غير مجالهم ، كما أن استخدام الأساليب والمفاهيم والتجارب العلمية المادية في مجال العلم الفكري خطأ فادح ، وخلط للأوراق أدى إلى ضياع الحقائق الفكرية أو تشويهها .

5-من الأمور الهامة في بيان الحقائق الفكرية الاقتناع بأن هناك تشابه جزئي بين كثير من العقائد والأيدلوجيات ، فليس كل ما تقوله الشيوعية أو الرأسمالية خطأ ، بل هناك خطأ وصواب ، فمثلًا ليس الاختلاف بين النظام الإسلامي والدول الغربية هو في الديمقراطية وحقوق الإنسان وإنصاف المرأة ومبدأ الملكية الفردية أو المفاهيم الاقتصادية المتعلقة بدور القطاع الخاص والعرض والطلب وحرية التجارة والعمل والاستثمار أو السياسات الاقتصادية .. الخ بل الاختلاف هو مع العلمانية ، والهدف من الحياة والمفاهيم الصحيحة للحرية الشخصية ، وتحريم الزنا والخمر والربا ... الخ والذي يمكن اختصاره بكلمات قليلة في هل نختار توحيد الله سبحانه وتعالى وطاعته وشريعته ؟ أم نرفض ذلك ، أي هو اختلاف حول الحقائق الفكرية الكبرى ، ومثل هذا يقال أيضًا للاشتراكيين فنحن لا نختلف معهم حول أنصاف العمال والفقراء ومحاربة التبذير والإسراف والتعصب العرقي ، وهذا التشابه الفكري يجعلنا نقول بأن بعض المبادئ العلمانية حققت نجاحات جزئية ، وهذا لا يتعارض مع وجود جهل فكري كبير ، وفشل عريض في الجانب الأكثر منها ، فالمشكلة ليست فيما نتفق عليه بل في ما نختلف عليه ، لأنه منبع الشر والصراع في الأرض ، ونريد أن نعرف بأسلوب علمي ونقاش موضوعي من هو على حق ؟ ومن هو على باطل ؟ لأنه إذا كان من يعرف الحقائق المادية قادر على بناء مصانع ناجحة فإن من يعرف الحقائق الفكرية قادر إذا طبقها على بناء الفرد والأسرة والمجتمع والدولة على أسس من العدل والحرية والسعادة .

6-بداية نحن أمام احتمالين أما أن تكون هناك حقائق فكرية أو لا توجد حقائق فكرية فإذا

عجز العقل البشري عن الوصول للحقائق الفكرية ، فليس من حق أحد أن يقول إن مبادئي صحيحة ومبادئ الآخرين خاطئة لأنه لا توجد حقائق"علم فكري"، أما إذا كانت هناك حقائق فكرية وصلنا إليها بعقولنا فإن هذه الحقائق هي النور والصواب والحكمة ويجب أن نستخدمها في حياتنا الفكرية بكافة جوانبها العقائدية والسياسية والشخصية ... الخ . فعلينا أن نقدسها وندافع عنها ولا نرفضها نتيجة أهواء أو شهوات أو تقاليد خاطئة أو اتباع للأباء والأجداد أو لمصالح أو لآراء شخصية أو تصويت شعبي أو قانوني أو رغبة حكومية ، فالحقائق تبقى حقائق حتى لو أنكرناها قال الأستاذ يوسف أبو الهيجاء"الحقيقة حقيقة سواء صدقت أنت بها أم لم تُصدق إنها حقيقة ولو لم يصدقها أي عقل . الحقيقة حقيقة لأنها حقيقة ، وليس حقيقة لأن هناك عقل أو عقول صدقت بها الحقيقة باقية خالدة ولم لم يكن ثمة عقل" (1) ومن صفات الحقيقة أنها فوق السلطات والأهواء والآراء والشهوات يربح ويسعد من يؤمن بها ويخسر ويشقى من يتجاهلها أو يرفضها باختصار الحقائق الفكرية لها نفس الحصانة العلمية للحقائق المادية، فالحقيقة الفكرية لا تتغير مع الزمن ، وهي قوة عظمى دائمة.

7-إذا كنا في مجال الحقائق المادية نستخدم عقولنا ونطبق التجربة والمشاهدة والاستنتاج، وما نصل إليه من حقائق نقبله بغض النظر عن آرائنا السابقة ، وتوقعاتنا وظنوننا فوصولنا إلى حقيقة أن الماء يغلي عند 100 درجة مئوية تجعل أي كلام غير هذا باطل ، ومرفوض ، فإن هذا هو المطلوب في الحقائق الفكرية نقول هذا لأننا نعلم أن هناك قناعات سابقة عند الكثيرين ، ونعلم أن هناك شبهات ومعلومات خاطئة نتوقع أن ترفض حتى ما يثبت العقل صوابه ، فالبعض قد يصل إلى الحقائق الفكرية أو بعضها ، ثم يقول لا أقبل هذا . هذا تطرف ، هذا جمود ، هذا ظلم في حين أن الصحيح أننا لن نستطيع أن نحدد أهذا تطرف أم عدل أم ظلم قبل أن نعرف أولًا ما هي الحقائق الفكرية ؟ فالظلم هو أن تنحرف أو ترفض هذه الحقائق والعدل هو أن تطبقها وقبل أن نجمع الحقائق الفكرية في مجال الحرية لن نستطيع تعريفها تعريفًا صحيحًا ، فالطريق الصحيح هو أن عقولنا هي التي ستوصلنا بإذن الله تعالى إلى الحقائق ، وأن وصولنا للحقائق هو الذي سيحدد لنا الحرية الصحيحة ، والعدل الصحيح والعقائد

الصحيحة، ومن الأخطاء الكبرى في هذا الموضوع هو أن أدافع عن الحرية قبل أن أعرف ما هي الحقائق الفكرية لأن الحرية هنا تصبح إما هدف عام لا اختلاف بين البشر عليه ، أو مفاهيم كثيرة جدًا متناقضة حسب ما لدى البشر من عقائد ، أي اعتقادات أن لديهم حقائق فكرية فالحقائق الفكرية هي التي تحدد معنى الحرية وليست الحرية هي التي تحدد لنا ما هي الحقائق ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت