في كل أرضٍ تُستباح دماؤنا---في كل أرضٍ يُستباح المسجد
كثرت مآسي المسلمين, وكثر الذبح والاضطهاد الذي يواجهه أبناء أمتنا في شتى أنحاء العالم بشكل رهيب يتفطر له قلب كل مسلم غيور, وما أن تنتهي مأساة حتى تبدأ الأخرى وما تكاد تنتهي مذبحة حتى تتبعها أختها, والهوان في أمتنا مستمر والذل واضح, حتى أصبحنا أكثر أهل الأرض تعرضا لمثل هذه الفواجع وأصبح الدم المسلم أرخص الدماء على الإطلاق .
وأصبحت الأمة عاجزة عن إيقاف هذه المآسي, جُلُّ ما تفعله هو تخفيف بعض الجراح بعد حدوثها, والدعاء وجمع الأموال للمساعدة, وأمعنت في العجز حتى أصبحت تنتظر العون ممن هم في الحقيقة أعداء لها وأصبحت تترقب العطف منهم,... فما هو السبب وما هو الحل.
لماذا يذبحون ونستكين ولا أحد يرد ولا يبين
أللإسلام نسبتنا وهذا دم الإسلام أرخص ما يكون (3)
وإن سبب عجز الأمة هو باختصار بعدها عن دينها الذي هو مصدر عزها ونصرها ؛
لما تركنا الهدى حلت بنا محن وهاج للظلم والإفساد طوفان (4)
وعلاجها في عودتها إليه بصدق, حتى تعود لها العزة والقوه فتحمي نفسها وأبناءها,وينصرها الله على أعدائها .
قال تعالى ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) (الحج:40) .
فمتى نصرْنا الله نصرَنَا الله وتغيرت أحوالنا,...والعودة إلى الله وتطبيق شرعه والتزام أوامره هي التي تطلق الأمة للجهاد, وتحررها من الأغلال التي كبلتها عن ذلك, وتكون سر تحقيقها النصر عند جهادها.
ويجب أن يشعر كل فرد في الأمة بمسؤوليته في هذا الجانب, ويجب أن يشعر المسلمون أنهم بذنوبهم يكونون سببا في خذلان أمتهم واستمرار مآسيها, ومن هنا تأتي هذه الكلمة والتي هي عنوان أحد مقالات هذا الكتاب؛ (( كي لا نكون سببا في ذبح إخواننا ) ).
وهذا الحل الأساس واجب على كل مسلم أن يبادر مسرعا إليه, ... وبتحقيقه يقترب الفرج وتستعاد العزة ويتحقق النصر بإذن الله, وعلى الأمة أن تجتهد بقوة وبكل طاقاتها في هذا الطريق وإلا فستستمر الجراح وتزداد النكبات.
وإن الواجب علينا أن لا نعالج أعراض مآسينا فقط, وننسى علاج مرضنا الخطير الذي نتجت عنه واستمرت بسببه هذه المحن والنكبات والمآسي .
وما دفعني للكتابة عن هذا الموضوع؛ هو ما لاحظته من ضعف وضوح وتذكر هذه الحقيقة وهذا الحل, وخاصة دور الفرد المسلم فيه, وأيضًا عدم قيام بعض الدعاة والمصلحين والمفكرين الأفاضل بإيضاح ذلك بالشكل الكافي وبالتركيز المناسب عند الحديث عن مآسي الأمة ومحنها, على الرغم من أنه أصل وحقيقة واضحة وهامة في ديننا, وأن الواقع يقتضي التركيز عليه.
وما شجعني أكثر على الكتابة هو ما لاحظته من تألمٍ وحماسٍ وتفاعلٍ كبيرٍ من كثير من المسلمين مع مآسي الأمة وبذلهم الكثير من المال وغَيره, وبكائهم وتألمهم, إلا أنهم مع صدقهم في تفاعلهم هذا لم يتجهوا فعلًا إلى الحل الأساس المنقذ لإخوانهم إنقاذا جذريًا لا وقتيًا أو جزئيًا, نظرا لعدم استشعارهم لهذا الحل ودورهم الفردي فيه .
بل غفلوا عن هذا الحل الذي يحمينا نحن جميعًا من أن يأتي علينا الدور من شرور الكافرين الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر في كل وقت وحين.
وهدف هذا الكتاب هو التذكير بهذه الحقيقة والتنبيه عليها وعلى ما يتبعها من واجبات, وهو ليس كتابا تأصيليا عن واقع الأمة وأسباب الانحراف والعلاج, حيث أن هذا الجانب قد تعرض له الكثير من علماء ومفكري الأمة الأفذاذ ودعاتها الصادقين.
وقد قُصِدَ ذكر العديد من المنكرات والأخطاء التي وقعت وانتشرت لكي يتذكر كل فرد من أمتنا الجانب الذي أخر بسببه نصر أمته, وليكون الكتاب عمليا أكثر في الفائدة المرجوة منه بإذن الله.
وهو جهد لا يكفي لمعالجة هذه القضية الهامة والتي أرجو من الله العلي القدير أن يقيض عشرات الكتب والكتيبات والأشرطة والمقالات وغيرها لترسيخ وتعميق هذا الجانب (5) , خاصةً أن أغلب الكتب والمراجع التأصيلية والعديد من الطروحات الدعوية في هذا الجانب تعالج القضية بطريقة فكرية أكثر مما هي تذكيرية تعظ كل فرد مسلم وتذكره بدوره الهام تجاه تغيير واقع أمته.
ويحسن أن نُذَكِّر هنا إلى أن سبب استمرار مآسينا- وهو ُبعد الأمة عن حقيقة دينها والالتزام بكل شرائعه وأوامره- هو بحد ذاته أكبر مأساةٍ تعيشها الأمة, فنحن نؤمن بأن هدفنا في الحياة هو تحقيق عبوديتنا لله وتطبيق دينه وتحكيم أوامره ونشر الإسلام في أرجاء الأرض لكي ننقذ به البشرية المتخبطة التعيسة, ونحن نؤمن بالله وعظمته وجزائه وجنته وناره....؛ فتخلينا وعدم صدقنا في تحقيق هدفنا في الوجود وعدم استعدادنا القوي لكي ننجي أنفسنا في يوم الدين يوم السؤال والحساب والجزاء هو أكبر مأساةٍ ومصيبة نعيشها.
والكتاب وإن كان يحمل عتابًا لأمتنا إلا أنه بإذن الله عتاب المحب المؤمِّل الخير الكبير في هذه الأمة,..وهذا الخير المؤمَّل هو من أهم ما دفع لتقديم هذا العتاب, فأمتنا فيها الخير مهما غفت أو نسيت أو أُنسيت (6) , ..وعلى الرغم من سوء الواقع إلا أن بشائر نصر الأمة تلوح في سماءِ مبشراتٍ بيقظةٍ للأمة تزيل بإذن الله ما عانت منه وما تعانيه.
وأتقدم بالشكر الجزيل لكل من مد لي يد العون في إخراج هذا الكتاب سائلا الله لهم خير الجزاء وأن يبارك لهم في دنياهم وآخرتهم.
وأسأل الله بمنه وإحسانه وقدرته أن يجعل فيه تذكيرًا للمسلمين أجمعين بواجبهم الأساس والعظيم تجاه مآسي أمتهم ونكباتها, حتى ينطلق كل فرد منا مجتهدا بكل ما يستطيع وبكل قوة وسرعة لإنقاذ أمتنا المستمرة في عصرنا جراحاتها وآلامها .
د . مهدي علي قاضي جمادى الأول/1422هـ
بعض مذابح ومآسي الأمة الإسلامية في العصر الحديث
يا قوم آلمني وأحزنني وأدمع مقلتي
ورمى فؤادي بالأسى والحزن واقع أمتي (7)
إن مذابح الأمة ومآسيها في العصر الحديث (8) تحتاج إلى مجلدات لإحصائها والحديث عنها وقد عرف الكثير منها القاصي والداني,بل حتى أطفالنا قد ألفوها لكثرة تردادها على مسامعهم وأعينهم,ناهيك عن تلك التي لم نسمع عنها والتي حرص أعداؤنا على أن يجعلوها في طي الكتمان, ولكن أحببت هنا للتذكير ذكر بعض هذه المصائب والنكبات التي حصلت للأمة, ....وهذه الفواجع كان القتلى فيها بأعداد كبيرة تجاوز في بعضها عشرات الآلاف بل وصل إلى مئات الآلاف أحيانا بل وصل إلى الملايين في بعضها, وارتكبت فيها فظائع من أنواع القتل والتعذيب, بما فيها القتل ذبحا حتى للأطفال (يكاد العقل أن لا يصدق بعض ما حدث لولا أن كثيرًا منه موثق وبالصور) , واغتصب في هذه المآسي الآلاف من النساء, وهدمت مساجد ودمرت قرى ومدن (9) , هذا عدا الضعف العام والهوان والتخلف الذي تعيشه الأمة في شتى جوانب الحياة والذي جعلها في ذيل الأمم في عصرنا الحاضر, مع أن الأصل أن تكون أمتنا في مقدمة الأمم بل قائدة للأمم, لأنها على العقيدة الصحيحة, ولأنها التي أُمِرت بنشر نور الهداية الربانية للعالم أجمع, وهي التي كانت قبل فترة ليست بالبعيدة كثيرا عزيزة قويه, وكانت مالكة أمر الدنيا وحاكمة العالم !!.
فمن هذه المذابح والمآسي:
** استيلاء اليهود على فلسطين والتي تقع في قلب العالم الإسلامي والعربي منذ أكثر من ثلاث وخمسين عاما, والاستيلاء على القدس المقدسة التي بها ثالث المسجدين الشريفين وأولى القبلتين, وما لاقاه إخواننا الفلسطينيون من مذابح وتعذيب وهدم للمنازل وتشريد شعب بأكمله,... ومن ذلك:
-مذبحة الشيخ ودير ياسين والطنطوره (2000 قتيل) واللد
ونحالين (10)