التضرع إلى الله تعالى آناء الليل وآناء النهار أن يرزقك تعظيم السنة والانتفاع بها ومن ذلك الدعاء الذي جاء في السنة نفسها، فعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول -إذا صلى الصبح حين يسلم-: اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا طيبا، وعملا متقبلا (5) ، والعلم بالسنة من أعلى مراتب العلم النافع ومن أرفع درجاته.
وكذلك دعاء سنَّه النبي صلى الله عليه وسلم لنا خمس مرات في اليوم والليلة على الأقل، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: يامعاذ والله إني لأحبك، فقال: أوصيك يا معاذ لاتدعن في دبر كل صلاة تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، (6) والإعانة على الشئ تستلزم الإعانة على وسيلته والآلة المؤدية إليه وهو هنا حب السنة وتذكرها وكثرة قراءتها، ومحاولة فهمها، والفرح بما يقف عليه منها.
الثاني: القراءة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:
فمن المجرب والمشاهد أن العيش مع أحوال النبي صلى الله عليه وسلم يبعث في نفس المسلم تعظيمه وتبجيله ومن ذلك تعظيم كلامه وتقديسه وهذا ينتج الحرص على سنته وبذل الأوقات الثمينة في تحصيلها والعمل بها.
وإن أقرب الكتب لتحقيق هذا المعنى هو القرآن الكريم متى قرأه المسلم قراءة تربوية يطبق فيها مفاتح التدبر كاملة فإنه مع مرور الوقت يحس أنه يعيش في عصره، يسمع صوته، يراه وهو يصلي، وهو يمشي، وهو يتكلم، وهو يفرح، وهو يحزن، وهو يجاهد صلى الله عليه وسلم، فما أظن كتابا يحقق هذا المعنى كما يحققه القرآن الكريم، قد تستفيد هذا المعنى من قراءة كتب السيرة أو كتب الشمائل لكن ما تستفيده من تصوير القرآن الكريم لأحوال النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال آل بيته وصحابته يكون أعظم وأكبر أثرا.
الثالث: القراءة عن أهمية السنة:
وهذا يكون بالقراءة عن أخبار السلف في تعظيمهم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم واجتهادهم في خدمته، والأخبار والقصص في هذا المجال كثيرة مشهورة، وكتب السنة والتراجم قد حفلت بالكثير من الأخبار والنماذج الحية التي تبعث في نفس المسلم الهمة لتعظيم السنة والنشاط في كتابتها وحفظها والعمل بها ونشرها والدعوة إليها، ومن الكتب المهمة في هذا المجال كتاب: (سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي) ، وكتاب: (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي) ، وكتاب ( الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي) وكتاب: (جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر) ، فينبغي على كل ناصح لنفسه ألا ينقطع عن القراءة في هذا الجانب لئلا يضعف تعظيمه للسنة ، وتضعف قيمتها في قلبه فيزهد فيها ويهجرها، فالقراءة عن أهمية الشئ مفتاح الاهتام به والحرص عليه. (7)
إن نصوص سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لو كانت عند أهل حضارة أخرى لكتبوها في المحافل والمجامع والميادين العامة، ولتغنوا بذكرها ونقشوها في بيوتهم بل في قلوبهم، إننا نراهم يتغنون بنصوص وحكم مفكريهم التي لا تعد شيئا بالنسبة لحكمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيا لله العجب ما أغفلنا عن هذه الطاقة التي منحنا الله إياها فنتركها ونذهب لدراسة طرق وأساليب توليد الطاقة المعنوية عند الشرق أو الغرب فصدق علينا قول الله تعالى:? أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ? [ (61) سورة البقرة]
إن حب السنة ليس دعوى تقال باللسان ويصرح بها في الخطب والكلمات، وتسطر بها صفحات الصحف وموجات الأثير، بل هي حقيقة لها علامات ومقاييس وموازين، من جاء بها صُدق قوله وأقر على دعواه، ومن هذه العلامات:
1-كثرة قراءتها ومطالعة كتبها.
2-محاولة حفظها والحزن والأسف على فوات ذلك.
3-الفرح بمجالسها ومنتدياتها ولقاءاتها.
4-الشوق إليها إذا طالت الغيبة عنها.
5-تطبيقها في جميع جوانب الحياة.
المفتاح الثاني: استحضار أهداف قراءة السنة.
إن قراءة السنة النبوية يجتمع لها المقاصد نفسها التي ذكرتها لقراءة القرآن الكريم ففيها العلم وعليها العمل، وفيها مناجاة وثواب وشفاء، وبها إعلام ودعوة للناس كافة.
الهدف الأول: العلم:
المسألة الأولى: شدة الحاجة إلى علم السنة.
قال الله تعالى: ? وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ? [ (44) سورة النحل] ، وقال تعالى: ?كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ? [ (151) سورة البقرة]
فالسنة تفسير للقرآن وهي المبينة لكيفية تطبيقه والعمل به، وحاجة المسلم إليها كحاجته للقرآن.
إن حاجة الإنسان للسنة كحاجته لدقات قلبه؛ فمع كل نبضة من نبضات القلب هناك خاطر وتفكير إما بحق أو باطل؛ ولا سبيل للتمييز بين ذلك إلا بالعلم.
لو تأملت أمور حياتك اليومية تجد أنه ما من أمر من الأمور وإلا وللقرآن والسنة فيها توجيه وتعليم سواء كان ذلك حركة جوارح أو حركة مشاعر، وفيها يتضح الفرق بين العالم والجاهل.
إن حاجتك للعلم تتزامن مع كل حركة من حركاتك اليومية التي تعد بآلاف الحركات، أنت فيها إما عالم أو جاهل؛ عالم مغتبط بعلمك قرير العين بمنة الله عليك، أو جاهل غافل تشقى ولا تدري سبب شقائك. قال الإمام أحمد: حاجة الناس إلى العلم أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب، ذلك أن الحاجة للطعام والشراب تكون مرة أو مرتين في اليوم بينما حاجتهم للعلم بعدد الأنفاس.
وصدق الإمام أحمد رحمه الله تعالى وهو من هو في علمه وفقهه وكثرة قراءته للقرآن الكريم ولأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فياليتنا نفقه هذه الحقيقة وتسيطر على أفكارنا ومشاعرنا، إذ لو حصل ذلك لأمكن وضع نهاية لمشاكلنا التربوية والاجتماعية ولصلحت أحوالنا الخاصة والعامة.
المسألة الثانية: مفاهيم خاطئة في طلب العلم.
لعل من أهم الأسباب التي صرفت كثيرا من الناس عن العلم بالسنة وبذل الجهد والوقت في ذلك هو مفهوم ترسخ لدى البعض وهو: أن طلب العلم - ومنه حفظ السنة - يراد به تخريج العلماء والمفتين والقضاة!! إنه حصر للعلم في نطاق محدود، وحصر له في أبواب معينة من العلم، ومجالات محدودة في الحياة.
وبعضهم ظن أن العلم كلٌ لا يتجزأ وان تبدأه بعلوم الآلة من النحو وأصول الفقه والبلاغة.
وبعضهم يرى أن: حفظ السنة كل لا يتجزأ فإما أن تحفظ الكتب الستة في عدد من الدورات المكثفة أو أن تتفرج على من يحفظ وتغبطه عليه، أما أن تنزل إلى الميدان وتبدأ الحفظ ولو بحديث واحد فهذا مالا يخطر له على بال ولا يعده من طلب العلم.
والبعض يريد أن يحفظ السنة في سنة وإلا فلا، أن يحفظ خمسة آلاف حديث أو لايحفظ شيئا.
كل هذه مفاهيم خاطئة ينبغي أن نستبعدها من تفكيرنا، وأن نستبدلها بالفهم الصحيح، والنهج السديد وهو أن: العلم يتكون من آلاف الجزئيات وأن العلماء مراتب ومستويات، وان طلب العلم يراد به النجاة والنجاح في الحياة، وان طريق طلب العلم طويل وهو يقطع على مراحل ومسافات، المهم أن تبدأ السفر، وتشرع في الرحلة ثم لا يهمك بعد هذا متى تصل أوإلى أين تصل ما دامت النية صادقة والوجهة صحيحة والمسافة المقطوعة تزيد يوما بعد يوم.
المسألة الثالثة: الرحلة في طلب السنة.