والشاهد من ذلك كله أن البرهان التاريخي قد أثبت لنا أن المدنية تتصاعد, والبرهان الشرعي قد أثبت لنا أن الخيرية تتناقص, وهذه المعادلة الدقيقة من أعظم البراهين على أن الحضارة والمدنية المادية ليست هي المقياس الإلهي لقيمة المجتمعات والأمم, إذ لو كانت الحضارة -بمعناها الشائع- هي المقصد الأساسي للشريعة لكان العصر العباسي الذي ازدهرت فيه العلوم العقلية والتجريبية أفضل من عصر الصحابة, ولكان عصر الصحابة الذي توسعت فيه الدولة ونظمها خير من عصر النبوة التي كانت فيها حياة محمد وخاصةِ أصحابِه قوتًا كفافًا.
وبعض غلاة المدنية يصرح ويقول: بأن عصر المأمون العباسي أرقى وأفضل من عصر أبي بكر الذي تم فيه الاستيلاء على السلطة في حادثة السقيفة, وهذا التفضيل المصادم للوحي انعكاس للمغالاة في قيمة الحضارة المادية والزهد في مضامين العلوم الالهية, وهو مما يؤكد أن"الغلو المدني ينبوع الانحراف الثقافي"كما سبقت الاشارة.
يهمنا التذكير هاهنا بأن هذه المعادلة التي أشرنا إليها لا نعني أنها قانون كوني مطرد, بمعنى أنه ليس كل تطور مدني ينبني عليه تراجع شرعي, بل هي واقعة عين تاريخية أردنا استكشاف دلالاتها, والدرس الجوهري فيها بالنسبة لنا هو أنه طبقًا لتصوراتنا الإسلامية الخاصة فإن الخيرية مرتبطة بالجوهر الإيماني والأخلاقي, وليس المظاهر المدنية والمادية.
التعلق بآية العمارة والاستخلاف:
بعض غلاة المدنية حين يتحدثون عن أولوية المدنية والحضارة المادية يستدلون كثيرًا بآيتي العمارة والاستخلاف, ويعولون عليهما كثيرًا في تأسيس رؤيتهم, فيستدلون بقوله تعالى:
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61]
وبعضهم يستدل بقوله تعالى:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30]
والواقع أن الخلل في هذا الاستدلال ناشئ عن تغييب عدة معطيات, منها:
1.أن معنى قوله تعالى في الآية"واستعمركم فيها"أي جعلكم عُمَّارًا في الأرض, فمعنى العمارة هاهنا لم يأت على أساس كونه مطلب شرعي, بل غاية ما فيه أنه جاء على أساس كونه نعمة كونية تستحق مقابلتها بالعبودية, وهذا معنى ظاهر في الآية لا يحتاج إلى كبير عناء لفهمه, فقد جاء في سياق الامتنان لا في سياق الحث والطلب, فنبيهم يأمرهم بالتوحيد مذكرًا لهم بأن الله تعالى خلقهم من هذه الأرض وجعلهم يعمرونها, فأين هذا المعنى من كل ما بنى عليه غلاة المدنية من الدلالات والتهويلات.
ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى"واستعمركم فيها"إنما وردت في قوم ثمود في مدائن الحجر بين تبوك والمدينة, وقوم ثمود لم يقصروا أصلًا في العمارة المادية, ومع ذلك عاقبهم الله بكارثة مرعبة قص الله خبرها في كتابه.
2.أنه على التسليم بأن العمارة في الآية السابقة جاءت بمعنى الطلب, فإن العمارة في كتاب الله نوعان: عمارة إيمانية وعمارة مادية, وكلاهما مطلوبان, ولكن أشرف هذين النوعين -بل هو الذي جاء مصرحًا بطلبه- إنما هو عمارة الأرض بالإيمان, كما قال تعالى:
{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة:18]
فهذه هي أشرف مراتب العمارة, والتي حرم منها من لم يستنيروا بنور النبوات كما قال تعالى:
{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة:17]
فمن لم يعمر الأرض بالإيمان فلا زال في ظلمات وتيه وانحطاط ولم يبلغ التنوير الحقيقي.
ومما يبين هذا ويوضحه أن العمارة ضدها"الخراب", وقد بين تعالى أن أقبح أنواع الخراب هو خراب الأرض من الإيمان, كما قال تعالى:
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [البقرة:114]
3.أن الله تعالى ضرب لنا المثل بأمم كثيرة أبدعت في"العمارة المادية"ومع ذلك عرض الله تعالى أخبارها في سياق الذم لما أفلست في"العمارة الإيمانية"كما قال تعالى:
{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} [الروم:9]
والمتأمل في الحضارة المعاصرة اليوم يجد هذه الصورة حية جذلة، فقد تفننت في العمارة المادية وأفلست في العمارة الإيمانية.
4.أنه لو فرض أن لفظ"العمارة"في هذه الآية دال على الحث على المدنية والحضارة, فإن هرم الأولويات وسلم القيم في الشريعة لا يستمد من آية واحدة صريحة, وإنما يستمد من مجموع استيعاب تصرفات الشارع وخلاصة توازنات النصوص, فكيف وهذه الآية أصلًا آية محتملة الدلالة ويقابلها مئات المحكمات الدالة على أولوية الإيمان والفرائض والفضيلة وأنها هي النور الحقيقي والعمارة الشريفة وأن كل ما سواها من الدنيا إنما هي مجرد وسائل.
وأما"آية الاستخلاف"فإن كثيرًا من غلاة المدنية يستشهدون بقوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) على مفهوم"خلافة الانسان", فيشيرون دومًا الى أن الله تعالى جعل"آدم"خليفة عنه في الأرض, والذي يعني نيابة الانسان عن الله في عمارة الأرض, والمتأمل في دلالات هذه الخلافة في سياق الخطاب المدني يجدهم يستشهدون بهذه الآية في سياقين, أولهما: أولوية العمارة, وثانيهما: مركزية الانسان.
والواقع أن هذا الاستدلال بهذه الآية غيب عدة معطيات جوهرية سنشير لبعضها:
1-أن الراجح في تفسير معنى"الخليفة"في هذه الآية ليس كون آدم خليفة ينوب عن الله, وإنما معناه"خلافة الآدميين بعضهم بعضًا"بمعنى أن جنس الآدميين يتداولون الخلافة ووراثة الأرض, وقد أكد هذا الترجيح كثير من المحققين.
والحيثيات التي تبرهن رجحان هذه الفهم متعددة تتبين بتأمل سياق هذه الآية ذاتها, وباستيعاب مجمل نصوص الشارع واستخلاص مراده من مفهوم"خلافة الآدميين".
فمن هذه الحيثيات التي تؤكد هذا التفسير: أن الخلافة والنيابة لاتكون إلا عن"غائب"والله سبحانه وتعالى ليس بغائب بل هو شهيد رقيب وهذا مقتضى قيوميته سبحانه وتعالى, فلاخليفة عنه سبحانه ولانائب يقوم مقامه جل وعلا, وقد أشار الحق تبارك وتعالى الى ذلك بقوله سبحانه:
{وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } الآية [يونس: 61]
وقال سبحانه وتعالى:
(مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة: 7]
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه قرب الله منهم وشهوده وعدم غيابه وأثر ذلك على السلوك التعبدي كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لاتدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)
ولذلك قال الامام ابن تيمية: